الجودة في المراكز الصحية، نحو رعاية فعالة محورها المريض

الجودة في الرعاية الصحية لم تعد مجرد معايير تنظيمية او مؤشرات تقاس، بل اصبحت ثقافة متكاملة تبدأ من الانسان وتنتهي بتجربة مريض اكثر امانا وفاعلية. يناقش هذا المقال مفهوم الجودة في المراكز الصحية، علاقتها المباشرة بتجربة المريض ورضا الموظف، ودورها المحوري في التحول الصحي بالمملكة، مع تسليط الضوء على ادارة المخاطر والرعاية الصحية القائمة على القيمة في ظل رؤية السعودية 2030.

الجودة في المراكز الصحية، نحو رعاية فعالة محورها المريض
كثيرون يعتقدون ان الجودة في القطاع الصحي تعني سياسات واجراءات فقط. لكن الواقع مختلف تماما. الجودة ثقافة انسانية قبل ان تكون ادارة.


تعد الجودة اليوم حجر الأساس في تطوير الأنظمة الصحية وتعزيز تجربة المريض، وهذا المفهوم لم ينشأ حديثا، بل تعود جذوره الى الأزمات والحروب التي دفعت المجتمعات الي تحسين الخدمات وإدارة الموارد بكفاءة.

ومن هذا المنطلق، وفي جلسة علمية ثرية، قمنا باستضافة ضيف مميز يمتلك خبرة تمتد إلى سبعة عشر عاما في مجال الجودة وسلامة المرضى وإدارة المخاطر، قدم مجموعة من الرؤى العميقة حول وقائع الجودة في المراكز الصحية والتحول الصحي بالمملكة، الأستاذ أسعد خليل من تجمع الشرقية الصحي.

يعمل ضيفنا في مجال الجودة منذ سنوات طويلة، وتنقل بين عدة جهات صحية وتعليمية مثل جامعة الأميرة نورة، ويعد من الكفاءات التي أسهمت في نشر ثقافة الجودة وتعزيز ممارسات سلامة المرضى.

بدأ ضيفنا حديثه بالتأكيد على أن الجودة ليست مجرد إجراءات وتقارير، بل هي معتقد وقيمة إنسانية تتجذر في ديننا وسلوكنا اليومي قبل أن تترجم الى معايير تطبيقية داخل المنشآت الصحية. فالجودة مفهوم شامل يقوم على ستة محاور، كما صدر عن معهد الطب في عام 1995 وهي كالتالي: الأمان، الكفاءة، الانصاف، الفعالية، الاستجابة في الوقت المناسب، أن تكون الرعاية متمحورة حول المريض.

وهذه المحاور ليست حكرا على المستشفيات، بل تشمل المراكز الصحية التي تعد بوابة النظام الصحي، خصوصا في ظل التحول الوطني الذي يركز على تعزيز الرعاية الأولية والوقائية.

دور المراكز الصحية في التحول الوطني:

يؤكد الأستاذ أسعد أن التحول الصحي في المملكة يضع المراكز الصحية في قلب منظومة الرعاية كونها النقطة الأولى التي يلجأ إليها المريض، ومن خلالها تقدم خدمات مستمرة وسهلة الوصول، ورغم أن مفهوم الجودة واحد في المستشفيات والمراكز، إلا أن الاختلاف يكمن في الأدوات والبيئة في كلا منهما، فالمستشفيات تبقى أكثر تعقيدا بينما ترتكز المراكز على الوقاية والمشاركة المجتمعية واستمرارية الرعاية.

ومن التحديات التي تواجه المراكز الصحية اليوم: ارتفاع عدد المراجعين بشكل ملحوظ، صعوبة الحصول على المواعيد، محدودية البيانات وضعف ارتباطها بين المستويات الصحية، نقص الكوادر الصحية وضعف الثقافة بالجودة.

العلاقة المباشرة بين الجودة وتجربة المريض:

يرى الأستاذ أسعد أن تجربة المريض هي انعكاس مباشر لجودة الخدمة، فكما يقوم الناس باختيار مطاعم معينة بسبب جودتها، فإن المريض أيضا يقيس جودة الرعاية منذ لحظة دخوله للمنشأة، وأشار الى أن نسبة كبيرة من المرضى يرتبط رضاهم عن المنشأة الصحية التي يزورونها منذ لحظة وصولهم الى الاستقبال، وهذا يدل كما ذكرنا سابقا الى ان الجودة ليست فقط إجراءات وأوراق مكتوبة، بل هي سلوك إنساني يبدأ باللطف والرحمة.

مقاومة التغيير، وبناء ثقافة الجودة بين الموظفين:

أوضح الأستاذ أسعد أن المقاومة للتغيير هو أمر وسلوك طبيعي في أي منظمة، ويمكن تجاوز هذه المشكلة والتغلب عليها عبر إشراك الموظفين في اتخاذ القرارات الجديدة واطلاعهم عليها، ومن ثم مكافأتهم لجهودهم المبذولة حيث أن ذلك يعزز الموظف بقيمته فيكون الموظف شريكا للتغيير لا ضحية له.

رضا الموظف، أساس لرضا المريض:

طرح الأستاذ أسعد مفهوم (تأثير الدومينو) ويعني ذلك أن وقوع حدث صغير يؤدي إلى سلسلة متتابعة من الأحداث الأخرى وهو ما يحدث حين يتحقق رضا الموظف، حيث أن شعور الموظف بأهميته ورؤية انجازاته يؤدي الى تقديم خدمة أفضل وهو ما ينعكس مباشرة على رضا المريض.

قياس الجودة وأهمية المؤشرات:

أكد ضيف الجلسة أن المؤشرات هي لغة الجودة، وهناك مبدأ يشير إلى أنه لا يمكن تحسين مالا يمكن قياسه، ودعا إلى تطوير مؤشرات جديدة خاصة برضا المرضى ومتابعتهم بعد زيارتهم وخروجهم من المنشآت الصحية، وذلك لأن رضا المراجع وبقاءه بحالة صحية جيدة هو الهدف الأساسي الذي نسعى إليه.

إدارة المخاطر وثقافة التبليغ عن الأخطاء:

أشار الأستاذ أسعد إلى أن بناء ثقافة الإبلاغ عن الأخطاء تحتاج من 3 الى 5 سنوات وذلك لأن الخوف من العقوبة يعد أكبر عائق يمنع الموظفين من بالتبليغ، ولذلك يجب التوضيح لهم بأن التبليغ يؤخذ لهدف التحسين من الخدمة ومعالجة النظام المستخدم وطرق العمل ولا يتم عقاب الموظف بأي طريقة.

الرعاية الصحية القائمة على القيمة:

يرى الأستاذ أسعد أن مستقبل الصحة يقاس بجودة المخرجات وليس عدد الخدمات، وأن التكنولوجيا ستكون أساسا لهذا التحول، فلا يمكننا مثلا تفضيل عدد كبير من العمليات بينما قد نتج عنها أخطاء طبية ووفيات، ولكن المهم هو التركيز على جودة العملية وكفاءتها وليس عددها.

كان لهذا اللقاء أثر كبير على فهمي العميق لمفهوم الجودة في الرعاية الصحية ودور كل فرد في المنظومة في تحسين تجربة المريض.تعلمت أن الجودة ليست إجراءات مكتوبة ولا تقارير نُنجزها، بل هي ممارسة يومية تبدأ من طريقة استقبال المريض وتنتهي عند أصغر تفصيل داخل المنشأة. كما جعلني هذا اللقاء أعي أن رضا الموظف يشكّل حجر الأساس لرضا المراجع، وأن بناء ثقافة جودة فعّالة يتطلب تمكين العاملين، تقدير جهودهم، وتعزيز شعورهم بقيمتهم. وأن دورنا كمتخصصين في الجودة لا يقتصر على المتابعة والقياس فقط، بل يشمل الإلهام والقيادة والتأثير الإيجابي في بيئة العمل. أدركت أيضًا أهمية التحول نحو الرعاية الصحية القائمة على القيمة، ودور التقنية في دعم القرارات وتحسين سلامة المرضى، مع الحفاظ على الجانب الإنساني الذي لا يمكن أن تستغني عنه أي منظومة صحية مهما تقدمت تقنيًا. لقد عزز هذا اللقاء قناعتي بأن المسؤولية تقع علينا جميعًا، وبأننا قادرون من خلال العلم والالتزام والإنسانية على إحداث تغيير حقيقي في جودة الرعاية الصحية ومستقبلها.

ختاما،

ومن خلال لقاءنا، نكتشف أن الجودة في القطاع الصحي والمراكز الصحية ضرورة لضمان سلامة المرضى وتحسين تجربتهم، وفي ظل رؤية 2030 يصبح التزام العاملين هو العنصر المحوري لصناعة نظام صحي يضع المريض في قلب كل قرار

وتبقى الرسالة الأهم، الجودة مسؤولية الجميع، والإنسانية أساسها