ماري إينسورث: رائدة نظرية التعلق وإسهاماتها في فهم الصحة النفسية
يستعرض هذا المقال سيرة العالمة ماري إينسورث التي طورت تجربة الموقف الغريب وأسست فهمنا لأنماط التعلق بين الرضيع ومقدم الرعاية، ويشرح كيف توصلت إلى أنواع التعلق الآمن والمتجنب والقلق وغير المنظم، وأهمية عملها في الصحة النفسية والعلاج النفسي وتربية الأطفال، إضافة إلى إرثها الذي يستمر في البحث العلمي والعلاقات الإنسانية
نبذة عن ماري إينسورث
ولدت ماري إينسورث في عام 1913 بمدينة أوهايو الأميركية ونشأت في أسرة تقدّر التعليم والاستقلال. درست علم النفس في جامعة تورونتو وانضمّت إلى الجيش الكندي خلال الحرب العالمية الثانية قبل أن تنخرط في بحوث علم النفس التنموي. كان لقاءها بمعلمها جون بولبي في لندن في خمسينيات القرن الماضي نقطة تحول؛ إذ كانت تستمع لرؤيته عن أهمية علاقة الطفل بمقدم الرعاية وتأثيرها في حياته لاحقاً. استعانت إينسورث بخبراتها الثقافية المتعددة من إقامتها في أوغندا والولايات المتحدة لتطوير أدوات رصد دقيقة لسلوكيات الأطفال وأمهاتهم، لتصبح واحدة من أبرز الأصوات في مدرسة التعلق.
الموقف الغريب وأنماط التعلق
ابتكرت إينسورث وزملاؤها تجربة معملية تُعرف باسم "الموقف الغريب"، حيث يتم مراقبة تفاعلات طفل في السنة الأولى من عمره مع أمه في غرفة مجهزة، تتخللها لحظات انفصال وعودة. كشفت هذه التجربة عن أنماط مختلفة من استجابة الأطفال: فهناك الطفل الآمن الذي يبكي عند خروج أمه لكنه يهدأ ويستكشف الغرفة عند عودتها، وطفل التجنب الذي يبدو غير مبالّ بغيابها ولا يطلب الراحة عند عودتها، وطفل القلق المتناقض الذي يتشبيث بأمه ثم يرفضها حين تعود. وفي بحوث لاحقة تم التعرف على نمط رابع سمي بالتعلق غير المنظم، يظهر لدى الأطفال الذين تعرضوا للإهمال أو الإساءة. هذه الأنماط لم تكن مجرد تصنيفات سلوكية، بل كانت مفاتيح لفهم كيفية تشكل الثقة وتوقعات الفرد في علاقاته المستقبلية.
أثر عملها على الصحة النفسية
أظهرت أبحاث إينسورث أن التعلق الآمن في الطفولة يرتبط بنمو عاطفي ومعرفي صحي، في حين يمكن لأنماط التعلق غير الآمنة أن تخلق هشاشة نفسية تجعل الفرد أكثر عرضة للقلق والاكتئاب وصعوبات العلاقات. في ممارسات العلاج النفسي الحديثة أصبح فهم نمط التعلق لدى المراجع جزءاً أساسياً من التشخيص؛ فإذا كان الشخص قد تعلّم في طفولته أن العالم مكان غير آمن، فإن علاجه يتطلب إعادة بناء علاقة آمنة مع المعالج تمكّنه من اختبار الثقة. كما أثرت النظرية في برامج تربية الأطفال، حيث يشجع الآباء على الاستجابة السريعة والحساسة لإشارات الرضيع بدلاً من تجاهلها، مما يدعم بناء مسار آمن للتنمية.
إرثها واستمرارية تأثيرها
بعد تقاعدها من جامعة فيرجينيا في الثمانينيات ووفاتها عام 1999، استمر إرث ماري إينسورث في التأثير. يستند الكثير من الأبحاث المعاصرة في علم النفس والعصبية إلى مفهوم التعلق لفهم العلاقات الرومانسية وروابط العمل وحتى الديناميكيات الثقافية. مع تطوير تقنيات تصوير الدماغ أصبح بالإمكان رؤية كيف يعزز التعلق الآمن تنظيم الجهاز العصبي، وكيف يمكن للعلاقات الداعمة أن تعيد تشكيل الشبكات العصبية حتى في مرحلة البلوغ. إن إسهامات إينسورث تذكرنا بأن البحث العلمي يمكن أن ينطلق من ملاحظة بسيطة لعلاقة أم بطفلها ليحدث ثورة في فهمنا للعقل والسلوك.
خاتمة
كانت ماري إينسورث مثالاً للباحثة التي مزجت بين الحساسية الإنسانية والدقة العلمية. بتطويرها تجربة الموقف الغريب وتحليلها أنماط التعلق أعطت العالم لغة جديدة لوصف كيفية تشكل الروابط. تركت أعمالها بصمة عميقة على علم النفس التطوري والعلاج النفسي والتعليم، ولا يزال تأثيرها يمتد إلى كل من يسعى لبناء علاقات أكثر أماناً وتعاطفاً. إن قصتها تسلط الضوء على قوة الرابطة الأولى في حياتنا، وكيف أن فهمها يمكن أن يفتح طريقاً نحو صحة نفسية وعلاقات أكثر توازناً.






