اقتصاد المشاركة: الثورة الاجتماعية والاقتصادية الجديدة

يبحث هذا المقال في ظاهرة اقتصاد المشاركة والاقتصاد الحر، ويستعرض النمو السريع لهذا القطاع وتأثيره على العمل والحياة اليومية، مع التركيز على قصص إنسانية لأفراد يشاركون مواردهم ويبتكرون حلولًا جديدة.

اقتصاد المشاركة: الثورة الاجتماعية والاقتصادية الجديدة
مقال يسلط الضوء على اقتصاد المشاركة والاقتصاد الحر ونموهما السريع وتأثيرهما على المجتمع والاقتصاد.


عندما نتحدث عن اقتصاد المشاركة أو الاقتصاد التشاركي، فإننا نتحدث عن ثورة اجتماعية واقتصادية تغير الطريقة التي نفكر بها حول الملكية والاستهلاك والعمل. يقوم هذا الاقتصاد على مشاركة الأصول والخدمات عبر منصات رقمية تربط الأفراد ببعضهم البعض بشكل مباشر، سواء كان ذلك في مشاركة السيارات، أو تأجير المنازل، أو العمل الحر عبر تطبيقات الهاتف. في جوهره، يعتمد اقتصاد المشاركة على فكرة أن منافع الموارد تكبر عندما يتم استخدامها بشكل جماعي. وفقًا لتقارير حديثة، بلغ حجم الاقتصاد التشاركي حوالي 556.7 مليار دولار أمريكي في عام 2024 مع توقعات بارتفاعه إلى 1847 مليار دولار بحلول عام 2032 بمعدل نمو سنوي مركب يناهز 16.18 ٪. كما أظهرت دراسات أن العاملين في الاقتصاد الحر أكثر إنتاجية بنسبة تقارب 47 في المائة مقارنة بالعاملين التقليديين، وهذا يشير إلى تغير جذري في أنماط العمل والدخل لدى الأفراد.

تحت هذا المفهوم، يتجاوز اقتصاد المشاركة مجرد توفير الخدمات؛ إنه يساهم في خلق علاقات ثقة جديدة بين الغرباء ويعزز روح المجتمع. منصات مثل أوبر وكريم في النقل، وأير بي إن بي في السياحة، وتطبيقات مشاركة السلع والمعرفة تتيح للناس الاستفادة من الأصول غير المستخدمة وتوليد دخل إضافي. ومع ذلك، فإن الأمر يتطلب من رواد الأعمال إدراك القيمة الحقيقية التي يقدمونها، ليس فقط من خلال التكنولوجيا، بل من خلال بناء ثقافة شفافية وتمكين. يجب عليهم الالتزام بمعايير الجودة، وحماية بيانات العملاء، وضمان معاملة عادلة لجميع الأطراف. في السعودية، شهدنا توسعاً سريعاً في خدمات التوصيل والمواصلات المشتركة، إضافة إلى نمو سريع لمنصات العمل الحر التي توفر فرصاً للنساء والشباب للدخول إلى سوق العمل بدون قيود تقليدية. هذه المنصات تساهم في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل. ومع ذلك، يتطلب نجاح هذه المنصات بيئة تشريعية واضحة تلبي احتياجات المستخدمين وتحمي حقوقهم.

من جانب اقتصادي، يتيح نموذج اقتصاد المشاركة تحسين استخدام الموارد وتقليل الهدر وتعزيز الابتكار. عندما يختار شخص استئجار سيارة عند الحاجة بدلاً من شرائها، يكون هناك تقليل في عدد السيارات على الطريق، ما يساهم في خفض انبعاثات الكربون وتخفيف ازدحام المدن. كما أن مشاركة المنازل عبر المنصات الإلكترونية تساهم في دعم السياحة المحلية وخلق مصادر دخل جديدة للأسر. وفي الجانب الاجتماعي، يسمح هذا النموذج بتعزيز التعاون والثقة بين أفراد المجتمع، ويتيح للأفراد الاستفادة من مهاراتهم ومواهبهم عبر منصات العمل الحر التي تربطهم بأصحاب المشاريع دون حاجز الجغرافيا. يساعد هذا على تحقيق توازن أفضل بين الحياة والعمل، ويفتح مجالات واسعة للنساء والأشخاص ذوي الإعاقة للمشاركة الفعالة في سوق العمل. في المقابل، تظهر تحديات تتعلق بغياب الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي للعاملين المستقلين، والحاجة إلى تنظيم قانوني يضمن حقوقهم ويمنع الاحتكار من قبل الشركات الكبرى.

للتعامل مع هذه التحديات، ينبغي للحكومات والمؤسسات إرساء أطر تنظيمية تحمي العاملين وتعزز المنافسة العادلة، كما يجب على منصات الاقتصاد التشاركي تطوير سياسات واضحة للسلامة والخصوصية وخلق آليات للشكوى والتقييم. في السعودية، توجد مبادرات لتطوير لوائح تنظم عمل منصات النقل والمساكن المشتركة، ومع ذلك فإن تطوير تشريعات العمل الحر ما يزال في بدايته ويتطلب تحديثات مستمرة لمواكبة النمو السريع. في نهاية المطاف، يعكس اقتصاد المشاركة تحولاً عميقاً في القيم الاقتصادية والاجتماعية، حيث تنتقل القوة من الشركات الكبرى إلى الأفراد. إنه يتطلب منا إعادة التفكير في مفاهيم الملكية والعمل والمجتمع، ويمنحنا فرصة لبناء اقتصاد أكثر شمولية واستدامة. ولتحقيق هذه الرؤية، يجب أن نعزز ثقافة التعاون والثقة، ونبتكر نماذج أعمال تحترم الإنسان والبيئة، ونوفر بيئة تنظيمية تسمح للاقتصاد التشاركي بالازدهار دون أن يضيع حق أحد.