كيفية التعامل مع الحب والخجل في سن المراهقة؟
استكشف العلاقة بين المراهقة والحب والخجل والنضج في ضوء التحليل النفسي لفرويد. مقال يسلط الضوء على صراع الهو والأنا والأنا الأعلى، ويفتح الباب لفهم المشاعر الأولى وكيفية تهذيبها بدلاً من كبتها، مع دعوة للتوازن بين العاطفة والعقل.
يقول صديقي الذي على وشك استقبال سن العشرين: "الحقيقة، لستُ من أولئك الذين يندفعون نحو الجنس الآخر كثيرًا أو يجدون لذة في الحديث معهم. البعض قد يُسمي ذلك خجلًا، وآخرون قد يلمّحون إلى ميول مختلفة، أما أنا فأراه ضربًا من الاحترام المتبادل."
بدأت القصة حين رأيتها تتردد بالنظر إليّ، كأنها تودّ أن تفتتح حديثًا عابرًا. وحين قالت شيئًا ذات مرة، رددتُ سريعًا، ردًا قاطعًا، وأشحتُ بنظري كالعادة.
ورغم أن شيئًا من الإعجاب تسلل إليّ، فقد تجاهلتها عمدًا. لاحظت ما بدا على وجهها من خيبةٍ خفيفة، وفي داخلي، كان ضميري يهمس: «لا يمكنك التحدث إليها، هذا ليس العمر المناسب، وأنت أصلًا لا تجيد التعامل مع الفتيات».
تكرّر الأمر مع غيرها منذ وطئت قدماي الجامعة. في داخلي جرأةٌ عاجزة عن التحقق، أملك الرغبة بالتحدث وإن كان عن أمرٍ تعليمي لا يتجاوزه، ولا أملك ذلك في الوقت نفسه. أخشى أن أبدو فظًا أو يُساء فهمي.
لا أعلم، أهو أثر تربيةٍ متحفظة، أم خجلٌ موروث لا فكاك منه؟!»
ربما في هذه الكلمات المرهفة صورة مصغّرة لما يعانيه جيل المراهقة بين غليان العاطفة وضبط الضمير، بين رغبة الهو، وصوت الأنا الأعلى، ومحاولة الأنا البائسة للتوفيق بينهما.
فرويد والحب والخجل
يرى فرويد أن الإنسان ميدان صراعٍ دائم بين ثلاث قوى نفسية:
- الهو (Id): مصدر الرغبات البدائية والغرائز التي تطلب الإشباع الفوري.
- الأنا الأعلى (Superego): صوت الضمير والقيَم والتربية والدين.
- الأنا (Ego): الوسيط الذي يحاول التوفيق بين رغبات الهو ومتطلبات الواقع.
في المراهقة، يكون الهو في أوج نشاطه، مستيقظًا بعد سبات الطفولة، فيطلب الحب والاهتمام والدفء النفسي. لكن الأنا الأعلى، بما يحمله من معايير تربوية صارمة، يكبته أو يجرّمه، فتظهر النتيجة على شكل خجلٍ أو تحفظٍ مفرط، لا لأنه ضعف، بل لأنه دفاع نفسي ضد الرغبة.
لماذا يندفع المراهق نحو الحب؟
- يقول فرويد: «الحب ليس إلا تكرارًا للرغبة الأولى في الحنان المفقود.»
ففي أعماق كل مراهق طفلٌ قديم يبحث عن دفء لم يكتمل، أو عن حنانٍ لم يُشبَع.
حين يرى من يُثير إعجابه، لا يتحرك فقط بدافع الجمال أو الانجذاب، بل تستيقظ فيه مشاعر مكبوتة كانت قد وُجّهت نحو أحد والديه أو نحو صورة الحماية الأولى في طفولته.
ولذلك حين تجتاحك مشاعر قوية تجاه شخصٍ ما من النظرة الأولى، فاعلم أنها قد تكون انعكاسًا لعاطفةٍ سابقة لم تجد طريقها للنضج.
إنها ليست دائمًا «حبًّا»، بل صدى لاحتياجٍ نفسيٍ قديم.
الخجل كآلية دفاعية نفسية
الخجل ليس ضعفًا كما يُظَن، بل هو آلية دفاعٍ ناعمة تحمي الذات من الصراع الداخلي.
حين يتردد المراهق في الكلام مع الجنس الآخر، فهو في الحقيقة يحتمي من ذاته أكثر مما يحتمي من الآخر.
يخشى أن يتجاوز الحدود التي رسمها ضميره، أو أن يُخيب توقعات صورته المثالية أمام نفسه.
إنه يخاف أن ينكشف «الهو» داخله، ذلك الجزء الذي يطلب الحب بحرارة ويُقابَل بالكبت.
فيظهر الخجل كقناعٍ للعفة ودرعٍ للنقاء، لكنه في العمق صراعٌ بين الرغبة والضمير.
ينبغي أن تُعرَض العواطف في قاعةٍ يتصدرها الضمير أو الأنا الأعلى رئيسًا للجلسة، ويقف الهو في قفص الاتهام، ويتولى الأنا الدفاع عنه بقدرٍ من المنطق.
العواطف جميلة، لكنها إن تُركت بلا ميزان، تحوّلت من نسيمٍ يُنعش القلب إلى ريحٍ تعصف بالوعي.
الحب الحقيقي لا يولد من الاندفاع، بل من الاختيار الواعي بعد أن تُصفّى رغبات الطفولة ويُهذَّب الهو.
الخلاص في النضج النفسي
ربما لم يكن خوف صديقي من الحديث مع الفتيات خجلاً بقدر ما كان دفاعًا نفسيًا عن قيم تربّى عليها، بين ما يرغبه وما يُلقَّن أن يستحي منه، كخشية النظر إليه بمظهر لا يليق. ليس النضج أن نقتل رغباتنا، بل أن نهذّبها، ونرى صورة المستقبل كامله، لا مانع للتعامل مع الفتيات لحاجة تعليمية وإن كان الشئ الأخر يُستهجن في السن الصغير، فكما قال عالم النفس إريك فروم في كتابه: فن الحب: بحث في طبيعة الحب وأشكاله:
«أي إنسان يتصور أن جميع الثمار تنضج في الوقت نفسه الخاص بنضج الفراولة لا يعرف شيئًا عن العنب.»
فالنضج الحقيقي ليس في إنكار الحب، بل في فهم ومعرفة توقيته المناسب، وفي أن نمنح القلب حقه دون أن ننزع عن العقل سلطته.
ففي سنّ المراهقة تتصارع الاتجاهات وتتشكل الملامح الأولى للذات، وما تختاره اليوم قد يكون مصدر قوتك أو معاناتك غدًا، فانتقِ بحكمة، ودع عواطفك تسير تحت ضوء وعيك لا تحت وهج اندفاعك العابرة.






