السلبية العدوانية: الوجه الخفي للصراع النفسي

تستكشف المقالة مفهوم السلبية العدوانية باعتباره سلوكًا نفسيًا يخفي الصراع وراء قناع المجاملة، وتناقش جذوره في الخوف من المواجهة، وتأثيراته على العلاقات والعمل، وتقدم استراتيجيات للتواصل الصريح والتحول الذاتي.

السلبية العدوانية: الوجه الخفي للصراع النفسي
رسم خيالي يوضح شخصين يتصافحان بينما يخفي أحدهما سكينا خلف ظهره، بألوان الأزرق والأصفر والرمادي، يرمز إلى السلبية العدوانية والصراع الخفي.


تبدو السلبية العدوانية للوهلة الاولى سلوكا بسيطا: تأخير، تسويف، تلميح ساخر، صمت طويل، او تعاون بارد لا يحمل نية المساعدة. لكنها في جوهرها لغة ثانية يقول فيها الانسان ما لا يستطيع قوله مباشرة، لان التصريح بالغضب عنده مرتبط بخسارة محتملة: خسارة حب، او مكانة، او امان، او قبول. هنا تصبح الرسالة مزدوجة: كلام ناعم وسلوك حاد. وهذا الازدواج هو ما يجعلها مربكة للطرف الاخر ومستهلكة نفسيا.

الفكرة المحورية ان هذا النمط لا يولد عادة من فراغ، بل من تاريخ تعلم مبكر يربط المواجهة بالخطر. حين يكبر الطفل في بيئة تتعامل مع الاعتراض كوقاحة، او مع الغضب كتهديد للعلاقة، يتعلم ان الافضل هو اخفاء الانفعال لا تنظيمه، وان الطريق الامن ليس قول الحقيقة بل الالتفاف حولها. نظرية التعلق تفسر ذلك بوصفه استجابة متعلمة لحماية الرابط: اذا كان القرب مشروطا بالطاعة، فالطاعة تصبح قناع القرب، والغضب يبحث عن منفذ اخر كي لا يهدد العلاقة.

السلبية العدوانية ايضا طريقة للحفاظ على صورة الذات، وهي النقطة التي تفسر كثيرا من سلوكياتها الدقيقة. الشخص قد لا يسمح لنفسه بان يكون غاضبا بصراحة، لان الغضب في قاموسه الداخلي يعني انه شخص سيئ، او غير راق، او غير محبوب، فيضطر الى اخراج الغضب من باب لا يراه ضميره تهديدا لهويته. في التحليل النفسي الحديث تسمى هذه حركة دفاعية: تحويل الانفعال غير المقبول الى سلوك مقبول ظاهريا. لذلك يبتسم وهو يعاقب، ويجاملك وهو ينسحب، ويقول لك لا شيء ثم يجعل يومك كله شيئا.

عندما تدخل هذه الديناميكية الى علاقة عاطفية، يظهر وجهها الاكثر ايلاما. الشريك لا يواجه اعتراضا واضحا ليحاوره، بل يواجه مزاجا متقلبا، ورسائل مبهمة، وعقوبات صغيرة: رد متاخر، اهتمام مسحوب، تعليق ساخر، مقارنة غير مباشرة. النتيجة ان الطرف الاخر يبدأ في تفسير كل التفاصيل، فيعيش في حالة يقظة نفسية، يحاول اكتشاف الخطا الذي لم يعلن، ويعتذر عن اشياء لم يفعلها. علم النفس المعرفي يصف هذا كاستجابة للغموض: الدماغ يكره الفراغ التفسيري، فيملؤه بتخمينات، وغالبا تكون التخمينات اقسى من الواقع.

وفي بيئة العمل، السلبية العدوانية تصبح سياسة ظل، لا تظهر في محاضر الاجتماعات لكنها تعطل المشاريع. الموظف يقول نعم ثم يؤخر، يوافق ثم لا ينفذ، يبتسم ثم ينسف الفكرة في الكواليس، ويقدم نفسه كشخص متعاون بينما يزرع عراقيل صغيرة تقتل الثقة تدريجيا. هذا يحدث كثيرا في المؤسسات التي لا تتسامح مع الاختلاف الصريح، او التي تكافئ الطاعة الشكلية وتعاقب الصراحة. ادبيات السلوك التنظيمي تتحدث عن ان المناخ الذي يفتقر الى الامان النفسي يدفع الناس الى اخفاء الاعتراض بدل عرضه، فتظهر المقاومة في شكل سلوكيات غير مباشرة بدل نقاشات ناضجة.

هنا نفهم لماذا لفت روبرت غرين النظر الى السلبية العدوانية كاداة في لعبة السلطة. حين لا يستطيع الشخص ان يقول لا، او لا يريد ان يدفع ثمن قولها، يبحث عن بدائل تحفظ له الانكار. الرسالة تصبح: انا لم ارفض، انا فقط نسيت. انا لم اهاجم، انا فقط كنت امزح. انا لم اعترض، انا فقط تاخرت. هذا الاسلوب يمنح صاحبه ميزة تكتيكية مؤقتة، لكنه يراكم خسائر استراتيجية: تآكل الثقة، انطفاء التعاطف، وتحول العلاقة الى محكمة نوايا لا تنتهي.

من المهم ايضا ان نفرق بين نمط عابر وبين بنية ثابتة. احيانا يسلك الانسان سلوكا سلبيا عدوانيا في ظرف ضغط او خوف دون ان يكون ذلك شخصيته. واحيانا يكون النمط متكررا لدرجة يصبح اسلوبا معتادا للتعامل مع القلق والصراع، وحينها نراه عبر سياقات متعددة: في البيت، في العمل، ومع الاصدقاء. علم النفس السريري يميل اليوم الى فهم هذه السلوكيات ضمن ابعاد اوسع مثل صعوبات تنظيم الانفعال، واساليب التكيف غير الناضجة، وانماط التواصل المكتسبة، بدل الاكتفاء بلصق تسمية واحدة.

المثير ان السلبية العدوانية تحمل داخلها صراعا بين حاجتين متعارضتين: الحاجة الى القبول والحاجة الى السيطرة. الشخص يريد ان يبقى محبوبا، لكنه يريد ايضا ان ينتقم من شعوره بالعجز او عدم الانصاف، فيصنع تسوية داخلية: يبقى مقبولا في الظاهر، ويفرض سيطرته في الخفاء. كارين هورني تحدثت عن صراعات داخلية مشابهة حين وصفت شد الحبل بين التوجه نحو الناس طلبا للقبول، والتوجه ضدهم طلبا للقوة، وبين هذين الاتجاهين يولد توتر مزمن يبحث عن منفذ.

اما العلاج، فبدايته ليست في فضح السلوك عند الاخر فقط، بل في كشف الوظيفة النفسية التي يخدمها. السؤال الاهم ليس لماذا تفعل ذلك، بل ما الذي تحاول حمايته في داخلك حين تفعل ذلك. هذه النقلة تغير زاوية النظر من اخلاقية الاتهام الى علمية الفهم، دون ان تلغي المسؤولية. العلاج السلوكي الجدلي الذي طورته مارشا لينهان يقدم ادوات عملية هنا، لانه يركز على تنظيم الانفعال وتحمل الضيق وبناء مهارات تواصل فعالة، بحيث لا يبقى الغضب محصورا بين خيارين: انفجار او تلاعب.

على مستوى التواصل اليومي، اقوى علاج مضاد هو الحزم الهادئ. الحزم ليس صراخا ولا تهديدا، بل وضوح مع احترام: تسمية السلوك بدل مهاجمة الشخص، وطلب محدد بدل نقاش عام، وحدود واضحة بدل لوم طويل. مثلا بدل ان تقول انت دائما تتعمد، تقول لاحظت ان الاتفاق يتكرر ثم يتاخر التنفيذ دون تفسير، انا احتاج التزاما محددا او اعتذارا صريحا او اعادة تفاوض. هذا النوع من الرسائل يقلل مساحة الانكار، ويجعل العلاقة تنتقل من قراءة النوايا الى ضبط السلوك.

وفي العلاقات القريبة، يفيد ايضا فصل الشعور عن الادارة. انت قد تتعاطف مع خوف الشخص من المواجهة، لكنك لا تتعايش مع عقابه الخفي. هذا التوازن مهم لان التسامح غير المشروط مع السلبية العدوانية يحولها الى مكافأة، بينما القسوة غير الواعية تزيد دفاعيتها. نظرية التعلم السلوكي تذكرنا بان السلوك الذي يجد نتيجة يزداد، والسلوك الذي يجد حدودا واضحة اما يتغير او ينكشف.

اما اذا كنت انت من يمارس هذا النمط، فالطريق يبدأ من اعتراف بسيط: انا اغضب ولا اقول، ثم اعاقب ولا اسمي، ثم ابرر لنفسي انني مضطر. بعد الاعتراف تأتي تجربة صغيرة: عبر عن انزعاجك بجملة واحدة مباشرة قبل ان يتحول الى سلوك ملتوي. ثم راقب ما يحدث في جسدك، لان الخوف من المواجهة ليس فكرة فقط بل استجابة جسدية، ومع التكرار يتعلم جهازك العصبي ان الصراحة لا تعني النهاية. علم الاعصاب العاطفي يدعم فكرة ان الخبرة المتكررة تعيد تشكيل الاستجابة، وان المهارة ليست قناعة بل تدريب.

وفي المؤسسات، الحل ليس فقط في دورات تواصل، بل في تصميم نظام يسمح بالاختلاف ويقلل تكلفة الصراحة. حين يعرف الموظف ان الاعتراض المهني لن يعاقب، تقل الحاجة الى المقاومة الخفية. وحين تصبح التغذية الراجعة جزءا من الثقافة لا حدثا استثنائيا، تتحول الطاقة التي كانت تصرف في التلميح والتسويف الى نقاش وتحسين. ادبيات القيادة الحديثة تتفق على ان الامان النفسي ليس رفاهية، بل شرط انتاجية في الاعمال المعقدة.

السلبية العدوانية في النهاية ليست قدرا ولا صفة ثابتة، بل حل قديم لمشكلة قديمة: كيف احمي نفسي دون ان اخسر العلاقة. لكنها حل يدفع الثمن لاحقا، لان العلاقة التي لا تحتمل الصراحة ستنهار تحت وزن التلميح. وعندما نختار ان نواجه انفعالاتنا بدل ان نهرب بها، لا نصير اشد قسوة بل اشد وضوحا. وهذه هي نقطة التحول: ان تصبح شجاعتك في تسمية ما تشعر به اقل ايلاما من براعتك في اخفائه.