لماذا تسعى بعض النساء لإفساد العلاقات الزوجية لقريباتها وصديقاتها؟
تعالج هذه المقالة الأسباب النفسية والاجتماعية التي تجعل بعض النساء يسعين لإفساد العلاقات الزوجية لقريباتهن أو لصديقاتهن، وتفكك الدوافع الخفية كالغيرة والحسد والشعور بالنقص، وتدعو إلى بناء قيمة ذاتية صحية بعيداً عن التدخل في شؤون الآخرين، وتشجع على احترام خصوصية الزواج والحفاظ على الثقة بين الزوجين.
مقدمة
تتداول المجالس النسائية في المجتمع السعودي والعربي قصصاً عن نساء يسعين لإفساد العلاقات الزوجية لقريباتهن أو لصديقاتهن. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها باتت أكثر وضوحاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد الحضور النسائي في الفضاء العام. يتساءل الكثيرون عن الدوافع النفسية والاجتماعية التي تحرك هؤلاء النساء؛ هل هي غيرة عابرة أم حسد دفين؟ أم أنها انعكاس لفقدان شعور الفرد بقيمته الذاتية وعدم رضاه عن حياته الشخصية؟
دوافع نفسية عميقة
من الناحية النفسية، قد تعكس محاولة إفساد علاقة زوجية شعوراً عميقاً بالنقص أو عدم الإحساس بالإنجاز. المرأة التي تعاني من فراغ عاطفي أو صراعات داخلية قد تجد في التدخل بحياة الآخرين متنفساً وهمياً للشعور بالقدرة والتأثير. الغيرة يمكن أن تتحول إلى حسد عندما ترى شخصاً يعيش ما تتمنى أن تعيشه هي، فتسعى إلى حرمانه مما تراه حقاً لها أو تعويضاً مفقوداً في حياتها. هذا الشعور قد يرتبط أيضاً بتجارب الطفولة أو بعلاقات غير صحية سابقاً جعلتها تفتقر إلى الثقة بنفسها وبالآخرين.
عوامل اجتماعية وثقافية
لا يمكن تجاهل دور البيئة الاجتماعية التي تشجع أحياناً على المقارنة والتدخل في شؤون الآخرين. في بعض المجتمعات، تعتبر «النميمة» جزءاً من التفاعل اليومي، الأمر الذي يهيّئ الأرضية للتدخل في علاقات الآخرين. كما أن ثقافة التنافس بين النساء على الزواج أو على الحصول على الاهتمام قد تؤدي إلى سلوكيات سلبية، خصوصاً إذا رُبطت قيمة المرأة بعدد منجزاتها الأسرية أو بحصولها على زوج ذو مكانة. في ظل هذه الثقافة، قد تتمنى بعض النساء رؤية قريبة أو صديقة تخفق في زواجها حتى يشعرن بالتفوق أو لتحقيق شعور مؤقت بالراحة.
الغيرة والحسد: وجهان لعملة واحدة؟
الغيرة شعور طبيعي يمكن أن يحدث عندما نخشى فقدان من نحب أو عندما نرى أحداً يمتلك ما نطمح إليه. لكن عندما تتجاوز الغيرة حدودها الطبيعية وتتحول إلى حسد يؤدي إلى سلوك تخريبي، تصبح مشكلة أخلاقية ونفسية خطيرة. علم النفس يميّز بين الغيرة الصحية التي تدفع الشخص لتحسين ذاته، وبين الحسد الضار الذي يدفعه لتدمير ما عند الآخرين. عندما تشعر امرأة أنها أقل من غيرها، قد تُسقط هذا الشعور على علاقات الآخرين بدلاً من العمل على تطوير ذاتها وتحسين حياتها.
القيمة الذاتية ودور المرأة
بدلاً من الانشغال بإفساد علاقات الآخرين، يمكن للمرأة أن تعمل على بناء قيمة ذاتية حقيقية. القيمة الحقيقية لا تأتي من إضعاف الآخرين، بل من تنمية الذات وتعزيز القدرات. يمكن لكل امرأة أن تستثمر في تعليمها وتطوير مهاراتها وصحتها النفسية لتكون مصدر دعم وإيجابية لأسرتها ومجتمعها. حينها يصبح حضورها في حياة قريباتها وصديقاتها مصدر قوة وإلهام، وليس مصدر تهديد للعلاقات. كما أن تذكر قول الله تعالى «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الَبِّرِّ وَالتَّقْوى وَلَا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» يذكرنا بأن التعاون على الخير أفضل من التحريض على الفشل.
حماية العلاقات الزوجية من التدخل
على الأزواج أنفسهم أن يكونوا واعين لأهمية حماية خصوصية زواجهم. بناء حدود واضحة مع الأصدقاء والأقارب، واحترام خصوصية العلاقة، يساعد على تحصين الحياة الزوجية من تأثيرات خارجية. كذلك، لا بد من تعزيز التواصل بين الزوجين والعمل معاً على مواجهة التحديات بدلاً من السماح للآخرين بالتدخل. عندما يشعر الزوجان بالأمان والاحترام المتبادل، تصبح أي محاولة خارجية لإفساد علاقتهما أقل تأثيراً. من المهم أيضاً أن تتعلم النساء قول «لا» للتدخلات غير المناسبة، وأن يحترمن حيات الآخرين كما يردن للآخرين احترام حياتهن.
دور الإعلام وثقافة الاستهلاك
في عصرنا الرقمي، يلعب الإعلام والإعلانات دوراً كبيراً في تشكيل صور العلاقات المثالية التي قد لا تكون واقعية. تعرض المسلسلات والأفلام علاقات درامية متقلبة تجعل المشاهد يعتقد أن التدخل مسألة طبيعية أو أن العلاقات الزوجية لعبة صراعات. وتروج منصات التواصل الاجتماعي لحياة مثالية من دون مشاكل، ما يزيد الشعور بعدم الرضا لدى من يعيش حياة عادية. هذه الصور تشجع بعض النساء على مقارنة حياتهن بحياة الآخرين والسعي لهدم ما يرونه غير متوافق مع توقعاتهم. يكمن الحل في التوعية بضرورة عدم مقارنة واقعنا بخيال معروض على الشاشة، وأن لكل علاقة تحدياتها الخاصة.
نصائح عملية لتعزيز الذات
لمن ترغب في الابتعاد عن سلوكيات التدخل وإفساد العلاقات، هناك خطوات عملية يمكن اتباعها. أولاً، التركيز على تنمية الذات عبر القراءة والتعلم واكتساب مهارات جديدة، سواء مهنية أو حرفية أو فنية. ثانياً، ممارسة الرياضة أو التأمل لتحسين الصحة النفسية والجسدية، فالعقل السليم في الجسد السليم. ثالثاً، بناء شبكة دعم صحية من صديقات إيجابيات يعززن ثقتنا بأنفسنا بدلاً من التشجيع على النميمة. رابعاً، استشارة متخصصين في الصحة النفسية عند الشعور بفراغ أو إحباط مزمن. وأخيراً، تذكر أن قيمتك تأتي مما تقدمينه من خير ومحبة للآخرين وليس مما تضعفينه في حياتهم.
الخاتمة
إفساد العلاقات الزوجية للغير فعل نابع من مشاكل داخلية وتراكمات اجتماعية وثقافية قديمة. لا يمكن إصلاح المجتمع إلا بالعودة إلى الذات وتطويرها، وبنشر قيم الدعم والتعاون بدل الغيرة والحسد. على المرأة أن تدرك أن قيمتها لا ترتبط بخراب حياة أخرى، بل بما تقدمه لنفسها ولمن حولها من عطاء وروح إيجابية. وبينما تسعى بعض النساء لإفساد علاقات الآخرين، هناك كثيرات يعملن بصمت على بناء أنفسهن وبناء علاقات صحية تكون مثالاً يحتذى به. فاختاري أن تكوني ممن يبنون لا ممن يهدمون.</






