حين يهدأ الضجيج ماذا يبقى؟

تستكشف هذه المقالة اللحظة التي تلي تحقيق المرأة لما هو مطلوب منها اجتماعياً، حين يهدأ الضجيج وتظهر أسئلة عميقة حول الهوية والمعنى. توضح كيف يمكن لتحويل هذا الصمت إلى وعي واستعادة الذات عبر إعادة اكتشاف القيم والأحلام الشخصية.

حين يهدأ الضجيج ماذا يبقى؟
لحظة صمت تتيح للمرأة أن تكتشف هويتها بعد أن يتلاشى الضجيج وتمتلك نضجاً ووعياً


في مرحلة من مراحل الحياة، قد تجد المرأة نفسها وقد حققت الكثير مما كان يُطلب منها اجتماعياً: تخرَّجت، عملت، أسست أسرة أو لعبت أدواراً عديدة. تمتلئ السنوات بالضجيج؛ مواعيد ومهمات ورغبات الآخرين. ثم يأتي يوم يخف فيه الضجيج، فيتحول هذا الصمت المفاجئ إلى سؤال عميق: هل ما عشته يعبر عني، أم عن توقعات غيري؟

هذا السؤال ليس أزمة بقدر ما هو علامة وعي ونضج. تشير الفلسفة الوجودية إلى أن الإنسان لا يكتشف ذاته إلا حين يتحول من العيش ضمن دور إلى البحث عن معنى. في كتاباته، يؤكد علماء الوجودية أن قدرة الفرد على التوقف وإعادة تقييم حياته هي جزء من النضج، وليست دليلاً على الفشل. ما يجعل هذه اللحظة مربكة هو أن المرء يضطر للنظر تحت السطح، إلى ما وراء العناوين التي منحها المجتمع مثل «الأم المثالية»، «الموظفة النموذجية»، أو «الصديقة الوفية».

حين يهدأ الضجيج يمكن أن تظهر فجوة بين الذات الحقيقية والذات الاجتماعية. لقد بنينا خياراتنا كثيراً بناءً على رضا الآخرين، وغالباً ما نعتبر التزاماتنا العائلية والمهنية معياراً لنجاحنا. لكن ماذا عن أحلامنا الصغيرة التي تجاهلناها؟ وهل نستطيع أن نستعيد شغفاً قديماً أو نكتشف مهارة جديدة؟ الإجابة تكمن في الجرأة على الإصغاء إلى الصوت الداخلي.

أحد الدروس المستخلصة من التجارب الإنسانية هو أن اكتشاف الذات يبدأ بسؤال القيم. ما القيم التي تحركني وما المبادئ التي أريد أن أعيش وفقها؟ عندما نجيب عن هذه الأسئلة بصدق، تبدأ الصورة تتضح. يصبح من الأسهل التمييز بين ما نستمتع به فعلاً وما نقوم به بدافع العادة أو خوفاً من النقد. هنا يمكن استخدام أدوات عملية مثل كتابة اليوميات أو ممارسة التأمل، فهذه الممارسات تسمح بتتبع المشاعر وتهدئة العقول التي اعتادت العمل على الدوام.

لكن إعادة المعنى للحياة ليست مسألة تأمل فردي فقط، بل تتضمن أيضاً إعادة تنظيم العلاقات. فقد تكتشف المرأة أنها أدارت حياتها لإرضاء الجميع باستثناء نفسها، وأن بعض العلاقات تقوم على العطاء من طرف واحد. إعادة التوازن يتطلب تعلم قول «لا» أحياناً، وتحديد حدود صحية تحمي وقتها وطاقتها. يمكن للحديث الصادق مع الشريك أو الأسرة أو الزملاء أن يفتح آفاقاً جديدة للتفاهم ويخفف من ضغطوت التوقعات.

من المهم أيضاً السماح لنفسنا بتجربة أدوار مختلفة. يمكن للمرأة التي قضت سنوات في العمل ضمن مجال محدد أن تجرب هواية فنية أو نشاطاً رياضياً أو دراسة موضوع كانت تحبه في طفولتها. هذا ليس ترفاً بل وسيلة لاستعادة الشعور بالحياة. وإحدى الأفكار التي قدمها علماء النفس الوجودي هي أن الإنسان يجد معنى في الأفعال الصغيرة التي يختارها بحرية، وليس في النتائج الكبيرة التي يُفرض عليه تحقيقها.

لا يعني البحث عن الذات رفض المسؤوليات أو الهروب من الواقع، بل موازنة بين متطلبات الحياة واحتياجات الروح. حين تهدأ الأصوات الخارجية، يبقى صوت واحد يستحق الإنصات: صوت الذات الحقيقية. الاستجابة لهذا الصوت قد تقودنا إلى مسارات غير متوقعة، لكنها حتماً ستقودنا إلى حياة أكثر اتساقاً مع قيمنا وأحلامنا.

وبذلك، فإن السؤال «حين يهدأ الضجيج ماذا يبقى؟» يصبح بداية رحلة لا نهاية لها نحو اكتشاف الذات. إن الصمت الذي يخيفنا في البداية قد يصبح أفضل معلم لنا، يعلّمنا أن نعيش بعمق وأن نختار بإرادة حرة وأن نمنح حياتنا معنى ينبع منا نحن، لا مما يريده الآخرون. هذه الرحلة لا تحتاج إلى ضجيج بل إلى شجاعة الصمت.