النظريات العلمية في البحث: من الوضعية إلى البنائية والنقدية
تتداخل النظريات العلمية مع منهجيات البحث في كل دراسة علمية، إذ تحدد الطريقة التي ننظر بها إلى المعلومات ونفسرها. يقدم هذا المقال شرحاً مبسطاً ومتعمقاً لأهم مدارس الفلسفة العلمية كالمنهج الوضعي الذي يؤمن بالحقائق الثابتة والقوانين العامة، والمنهج البنائي الذي يركز على فهم الواقع من خلال بناء المفاهيم، والنظرية النقدية التي تتحدى الافتراضات السائدة وتربط العلم بمجالات المجتمع والأخلاق. كما يناقش أهمية اختيار النظرية المناسبة للتصميم البحثي وكيف تؤثر على صياغة الأسئلة وتحليل النتائج.
يجد الباحث نفسه أمام معضلة فلسفية حين يبدأ في صياغة سؤال البحث، فالنظرية ليست مجرد إطار مفاهيمي يرفق في مقدمة الأطروحة، بل هي طريقة رؤية للعالم تحدد ما يمكن اعتباره معرفة وما يتم استبعاده من دائرة المعقول، وقد برزت عدة مدارس في فلسفة العلم شكلت أسس البحث الحديث، فالوضعية ترى أن العالم عبارة عن حقائق موضوعية يمكن قياسها واختبارها بقوانين عامة، ولذلك تميل الأبحاث الوضعية إلى تصميم تجريبي صارم يعتمد على المتغيرات والضبط الدقيق للظروف، في المقابل تركز البنائية على أن الحقيقة تبنى اجتماعياً من خلال اللغة والثقافة، ولهذا يوجه الباحثون البنائيون اهتمامهم إلى فهم السياقات وتفسير المعاني من خلال التفاعل مع المشاركين، أما النظرية النقدية فتذهب أبعد من ذلك، إذ تسعى إلى كشف القوى المهيمنة خلف المعرفة وتسعى إلى تحرير العلم من التحيزات الاجتماعية والسياسية، وتعتبر المعرفة وسيلة للتغيير وليست مجرد وصف للعالم كما هو، وبين هذين الاتجاهين تبرز البراجماتية التي توازن بين التجربة والمعنى وترى أن صلاحية النظرية تقاس بقدرتها على حل المشكلات العملية.
تأثير النظرية على تصميم البحث
اختيار الباحث لإطار نظري معين ينعكس مباشرة على كل تفاصيل تصميم الدراسة، فمن يتبنى الرؤية الوضعية سيعتمد على أدوات قياس كمية ويضع فرضيات قابلة للاختبار بدقة، وسيحدد عينة ممثلة ويستعين بالإحصاء لاستخلاص النتائج، في حين أن الباحث البنائي سيختار منهجيات نوعية مثل المقابلات العميقة والملاحظة الميدانية وسيركز على وصف التجارب وتفسيرها بدلاً من تعميمها، وقد يلجأ إلى جمع بيانات ضخمة من النصوص والخطابات ليحللها بحثاً عن أنماط للمعنى، وإذا كان الباحث ينهل من النظرية النقدية فسيطرح أسئلة تتعلق بالسلطة والعدالة، ويستخدم تحليلات تأخذ في الحسبان خلفيات المشاركين والظروف الاجتماعية المحيطة بهم، وغالباً ما يكون هدفه المعلن هو تمكين المشاركين وتغيير الواقع نحو الأفضل، بينما تجد البراجماتية طريقاً وسطاً فتخلط بين الأدوات الكمية والنوعية وفقاً لطبيعة المشكلة، لأن الهدف ليس إثبات نظرية بقدر ما هو الوصول إلى فهم يمكن تطبيقه في الواقع، هذه الاختلافات كلها تبرز كيف أن النظرية ليست مجرد بند أكاديمي بل روح تسري في كل خطوات البحث.
وعند صياغة الأسئلة البحثية يتعين على الباحث أن يعي تأثير النظريات على الصياغة، فالسؤال الوضعي يميل إلى «ما مدى؟» و«ما علاقة؟» بينما السؤال البنائي يهتم بـ«كيف؟» و«لماذا؟» من منظور المشاركين، والسؤال النقدي يذهب إلى «لصالح من؟» و«ما هي القوى الخفية؟»، كذلك فإن اختيار النظرية يوجه الباحث إلى الأدوات الإحصائية والتحليلية المناسبة، فالمنهج الوضعي قد يستدعي تحليل التباني والانحدار، في حين أن المنهج البنائي يعتمد على تحليل المحتوى وتحليل السرد، ومن هنا تظهر أهمية أن يكون الباحث متمكناً من فهم الفلسفات العلمية المختلفة ليستطيع تصميم دراسته على نحو يخدم أهدافه ويضمن صدقية نتائجها.
إن إدراك العلاقة العميقة بين النظرية ومناهج البحث العلمي يمثل خطوة أساسية نحو إنتاج معرفة أصيلة وذات تأثير، فالعلوم لا تتقدم في فراغ وإنما تنطلق من خلفيات فكرية وقيمية محددة، وكلما كان الباحث واعياً بتلك الخلفيات وقادراً على نقدها وتطويرها، استطاع أن يقدّم عملاً علمياً يجمع بين الدقة والإبداع، ويضمن أن يكون بحثه مساهمة حقيقية في تقدم العلم وخدمة المجتمع.






