كيف تُشوه منصات التواصل الاجتماعي توقعات النساء وتضغط على الرجال؟

تستعرض هذه المقالة كيف يُحرّف المحتوى اللامع على وسائل التواصل الاجتماعي صورة العلاقات الزوجية ويخلق توقعات غير واقعية تدفع النساء لمطالبات مادية متزايدة بينما يهملن القيمة الحقيقية التي تضيفها الزوجة لحياة زوجها. يناقش المقال آثار هذه الظاهرة على الأزواج في السعودية ويستشهد بالأبحاث والدين لتشجيع التوازن والتعاطف.

كيف تُشوه منصات التواصل الاجتماعي توقعات النساء وتضغط على الرجال؟
كيف تؤثر الصور المثالية على منصات التواصل الاجتماعي في العلاقة الزوجية وضغط النساء على الأزواج بتوقعات غير واقعية


في السنوات الأخيرة أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية في السعودية. منصات مثل «إنستغرام» و«سناب شات» تغمرنا بسيل من الصور ومقاطع الفيديو لرحلات رومانسية وهدايا باهظة وحياة مثالية؛ إذ تعرض هذه المنصات عادةً «لحظات الهايلايت» من العلاقات، ولا تنقل لنا ما يحدث قبل الصورة أو بعدها. يرى كثير من النساء هذه الصور فيعتقدن أن العلاقة المثالية يجب أن تكون مليئة بالورود والهدايا والسفر، في حين أن غالبية الأزواج يقضون حياتهم بين العمل والأعباء اليومية، ويتشاركون مسؤوليات المنزل والطفل ويعيشون روتينًا عاديًا.

«هايلايت» العلاقات والواقع الخفي

المحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي ليس سوى جزء من الحقيقة؛ فالمستخدمون ينتقون الصور التي تبرز الجانب الإيجابي ويخفون الخلافات والضغوط. نحن نشاهد فقط «لقطات مزيّنة» للعلاقات، مما يخلق انطباعًا زائفًا بأن الشريكين لا يختلفان أبدًا. هذا التضليل يزرع لدى بعض النساء شعورًا بأنهن متأخرات مقارنة بصديقاتهن، فيبدأ الضغط على الزوج لتوفير مستوى من الرفاهية قد لا يستطيع تحقيقه. المحتوى الفاخر – مثل الرحلات الخارجية أو الهدايا الفاخرة – يجعل الزوج يبدو مقصرًا ما لم يقدم شيئًا مشابهًا، ويُنسي المرأة قيمة المشاركة والرفقة الحقيقية.

لا يقتصر الأمر على تزييف الواقع؛ فالمقارنات تؤدي إلى توقعات غير واقعية يمكن أن تؤذي العلاقة. عرض نسخة مثالية للعلاقات على الشبكات الاجتماعية يخلق «توقعات غير واقعية» ويثير مشاعر الغيرة والمقارنة التي قد تُقوِّض الرضا عن العلاقة. عندما تحاول المرأة قياس علاقتها بزوجها وفق معايير مصطنعة، تشعر بالإحباط، ويشعر الزوج بالضغط المستمر لتلبية تلك المعايير. هذا الضغط يمكن أن يتحول إلى توتر وصراع دائم حول المال والهدايا، ويُضعف قيمة التفهّم المتبادل.

عندما تصبح التوقعات عبئًا

نتيجة لهذه الصور المثالية، ترتفع سقوف التوقعات لدى البعض إلى حدٍ يصعب تحقيقه. نقص تحقيق التوقعات مرتبط بانخفاض الرضا عن العلاقة. بمعنى آخر، كلما ازدادت الفجوة بين ما تتخيله المرأة وبين ما يقدمه الواقع، تقل احتمالات الشعور بالرضا. وهذه الفجوة ليست نتيجة تقصير الرجل دائمًا، بل بسبب مقاييس غير واقعية تشكلت في ذهنها دون وعي.

رؤية الأزواج في وسائل التواصل الاجتماعي وهم ينفقون بسخاء على الشريك قد تضغط على المرأة – أو العكس – لشراء هدايا باهظة أو تخطيط رحلات باهظة لإظهار الحب. لكن هذا الضغط غير عادل؛ إذ يغفل أهمية القيم الحقيقية التي تجعل العلاقة ناجحة مثل الاحترام، والتعاطف، والدعم. إن استبدال المشاعر بالأشياء يجعل العلاقة عرضة للانهيار عند أول أزمة مالية؛ لأن الرابط العاطفي لم يُبْنَ على أسس متينة.

العودة إلى الجذور: القيمة مقابل المطالب

في المجتمع السعودي التقليدي، يقوم الزواج على قيم الشراكة والتكافل. يقول القرآن الكريم: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً»؛ فالعلاقة قائمة على السكن والمودة، لا على الاستعراض. عند النظر إلى الأحاديث النبوية نجد تأكيدًا على حسن المعاشرة ولين الكلام والرحمة بين الزوجين. هذه القيم تُذكِّرنا بأن قيمة المرأة في حياة الرجل لا تقاس بالصور ولا بالهدايا، بل بما تضيفه من سلام ودعم وسكينة.

هنا يأتي السؤال الذي تطرحه ليلى بن مسعود في مقالاتها: «هل لديك قيمة تضيفينها لزوجك تعادل ما تطالبينه منه؟» السؤال يهدف إلى مراجعة الذات وإعادة ترتيب الأولويات: هل أنتِ قادرة على أن تكوني شريكة حقيقية تدعم زوجها وتقدّر جهده، أم أنك ترين العلاقة وسيلة للحصول على عطاء مادي فقط؟ إذا كانت مطالب المرأة أكبر من القيمة التي تضيفها للعلاقة، فإن خسارة الرجل تصبح حتمية. ينبغي على المرأة أن توازن بين ما تطلبه وما تقدمه، وأن تدرك أن احترامها له وتقديرها لمجهوده أهم من عدد الرحلات أو حجم الهدية.

مسؤولية مشتركة لتصحيح المسار

لا يمكن إلقاء اللوم كله على النساء؛ فالرجل أيضًا قد يساهم في خلق هذه الصورة عندما ينشر هو الآخر صورًا مبالغًا فيها أو يتفاخر بالممتلكات. على الطرفين أن يدركا أن وسائل التواصل ليست معيارًا للحياة الزوجية، وأن تقييم العلاقة يجب أن يتم بناءً على التواصل الحقيقي والتضحيات المشتركة. على المرأة ألا تسمح لصور صديقاتها بأن تقرر مصير علاقتها، وعلى الرجل أن يكون واضحًا وصادقًا في قدراته وإمكاناته.

في النهاية، تكمن سلامة العلاقة الزوجية في التوازن بين المودة والمسؤوليات، وبين العطاء المادي والمعنوي. استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة واعية، وعدم مقارنة الواقع بالصور المزيفة، وتقديم قيمة حقيقية داخل العلاقة، كلها خطوات نحو علاقة أكثر صحة وعمقًا. إشباع العين لا يُغني عن إشباع القلب، وأجمل الهدايا قد تكون كلمة طيبة أو دعمًا في وقت صعب، وليس رحلة فاخرة أو هدية ثمينة.