النجاح الذي لا يشبهني

تتناول هذه المقالة ظاهرة الشعور بالفراغ الداخلي رغم تحقق نجاحات مهنية أو اجتماعية كبيرة. تشير إلى أن المشكلة ليست في النجاح بذاته بل في انفصاله عن القيم الشخصية. تستعرض دراسات علم النفس الوجودي التي تربط بين المعنى والإنجاز وتقدم خطوات عملية لتحديد القيم الذاتية ومراجعة الأهداف وبناء علاقات داعمة لتحقيق نجاح ينسجم مع قيم المرأة ويتحول إلى رضا دائم.

النجاح الذي لا يشبهني
النجاح الذي لا ينبع من القيم الشخصية يترك فراغاً داخلياً ويحث المرأة على البحث عن معنى النجاح الحقيقي والتوازن بين القيم والإنجاز.


ربما تظن أن الوصول إلى منصب رفيع أو تحقيق دخل مرتفع أو نيل إعجاب المجتمع هو الغاية القصوى. كثير من النساء يعملن بجد، يقدمن التضحيات ويتسلقن سُلّم الطموح، وعندما تصل إحداهن إلى القمة، تفاجأ بإحساس فراغ غير مبرر. هذا الشعور محير، إذ لا يرتبط بفشل أو خسارة بل يأتي بعد نجاح صريح. فما السر؟

المشكلة لا تكمن في النجاح ذاته، بل في كونه لا ينبع من قيم الشخص الداخلية. علماء النفس الوجودي والإنساني يتحدثون عن «التوافق الداخلي» بين الأهداف والقيم. وفقاً لنموذج التوافق الذاتي، فإن الأهداف التي نسعى إليها بدوافع خارجية مثل المال أو الشهرة أو رضا الآخرين، تمنحنا سعادة مؤقتة يتبعها استنزاف داخلي. على النقيض، عندما تنطلق أهدافنا من قيمنا الحقيقية – كالحرية أو العدالة أو الإبداع – نشعر بالرضا العميق حتى لو كانت المكافآت الخارجية متواضعة.

يؤكد الباحثون أن عدم وضوح القيم يجعلنا عرضة للتأثر بتوقعات المجتمع. في بيئة تكرّر فيها وسائل الإعلام ومعايير النجاح ذات السقف العالي، يصبح من السهل أن ننسى أنفسنا ونضع معايير الآخرين فوق معاييرنا. هنا يظهر النجاح الغريب، نحصل على ما نريد من الناحية الظاهرية، لكن الروح تبقى خالية لأن الإنجاز لم يكن انعكاساً لمن نحن فعلاً.

إحدى الدراسات في علم النفس العصبي تشير إلى أن تحقيق أهداف لا تتوافق مع قيمنا ينشط مناطق في الدماغ مسؤولة عن المكافأة قصيرة المدى، بينما لا ينشط المسارات العصبية المرتبطة بالرضا المستمر. هذا يفسر لماذا يتلاشى شعور الفرح بسرعة ويحل محله نوع من اللامبالاة أو الإرهاق. بعبارة أخرى، النجاح المجزأ يولد صراعاً داخلياً بين ما نريده فعلاً وما نظنه يجب أن نريده.

كيف يمكننا إذً تحويل النجاح إلى تجربة تشبهنا؟ الخطوة الأولى هي تحديد قيمنا بوضوح. يمكن للمرأة أن تعود إلى لحظات في حياتها شعرت فيها بالمعنى: ربما كانت تطوعاً لمساعدة الآخرين أو مشروعاً إبداعياً أو وقتاً قضيته مع العائلة. تلك اللحظات تكشف عن قيم عميقة. كتابة هذه القيم والعودة إليها يومياً يساعد على تشكيل بوصلتنا الداخلية.

الخطوة الثانية هي فحص الأهداف الحالية ومعرفة مدى توافقها مع هذه القيم. قد تكتشف أن بعض الأهداف التي تسعى إليها لا تعبر عنك، وأنها أُضيفت إلى حياتك من دون وعي. في هذه الحالة، يمكن تعديلها أو تركها. ليس من السهل التخلي عن مسار مهني مرموق أو مشروع ناجح، لكن الاستمرار في طريق لا يشبهك قد يكون أكثر كلفة على المدى البعيد. اتخاذ قرارات صغيرة تدريجياً – مثل تغيير طبيعة عملك، أو البحث عن مهام تتوافق أكثر مع اهتماماتك، أو استثمار وقتك في تعلم مهارة تحبها – يمكن أن يغيّر التجربة بالكامل.

الخطوة الثالثة تتمثل في بناء شبكة دعم تشترك معك في قيمك. وجود أشخاص يفهمون خياراتك ويشجعونك عندما تضعي حدوداً جديدة مهم جداً. الدراسات الاجتماعية تشير إلى أن البيئة المحيطة تؤثر على قراراتنا، إذا كان كل من حولنا يقيس النجاح بالألقاب والمظاهر، سيكون من الصعب البقاء صادقين مع أنفسنا. لذلك، ابحثي عن أفراد وجماعات تعزز قيمك وتوفر نموذجاً بديلاً للنجاح.

وأخيراً، تذكري أن redefining النجاح يحتاج إلى وقت وشجاعة. قد تشعرين بالذنب أو الخوف حين تتخذين قرارات غير متوقعة للآخرين، لكن تذكري أن جودة حياتك لا تُقاس بمدى تشابها مع حياة غيرك. حين يصبح النجاح انعكاساً لما تؤمنين به، تتغير العلاقة مع العمل والإنجاز. يصبح كل إنجاز صغير فرصة للاحتفال الداخلي، وكل تحدٍ درباً للنمو، بدلاً من أن يكون سباقاً بلا معنى.

النجاح الذي يشبهك هو ذلك الذي يجمع بين الإنجاز والقيمة، بين الهدف والروح. هو نجاح يخدمك أنت قبل أن يخدم صورتك أمام الآخرين، ويمنحك طاقة بدلاً من أن يستنزفك. إن هذا النوع من النجاح لا يأتي صدفة، بل يحتاج إلى وعي ذاتي وتخطيط وقوة في مواجهة توقعات المجتمع. لكنه حين يتحقق، يكون مصدر قوة ورضا يرافقك طويلاً.