من إفلاس هامبرغيني الى حزام الأمان هل تتقن فن إدارة المخاطر ؟

ليست كل الخسائر مفاجئة كما نظن. احيانا تسبقها اشارات صغيرة نتجاهلها حتى تتحول الى ازمة كبيرة. قراءة عميقة تشرح كيف تعمل ادارة المخاطر في المطاعم والعمل والحياة اليومية باسلوب قريب وعملي.

من إفلاس هامبرغيني الى حزام الأمان هل تتقن فن إدارة المخاطر ؟
لماذا لا تسقط الشركات فجاة بل تتعثر اولا باشارات صغيرة نتجاهلها


لاحظنا قبل شهور الإعلان الرسمي لإفلاس شركة همبرغيني والذي أدى الى ذلك أسباب عديدة ولا يخفى عن الجميع أن السبب الرئيسي هو حالة التسمم الشهيرة التي حدثت في احدى فروع هذا المطعم بالعاصمة الرياض قبل حوالي سنة ونصف في ابريل 2024 .

لكن قبل ذلك يجب أن نسأل أنفسنا عدة أسئلة ، هل بهذه السهولة يتعرض المطعم أو المنشأة الى خطر الإغلاق او خطر الخسارة بشكل مفاجىء ؟ بالتأكيد لا ، هناك عوامل أو مؤشرات تدل أو تقود الى ذلك، لاحظ أنني ذكرت مصطلح (خطر) الإغلاق أو الخسارة ومصطلحات مثل المخاطر أو الأزمات انتشرت أكثر خصوصاً بعد جائحة كورونا. لكن مهلاً ما هو الخطر ؟ المختصين عرفوا الخطر بعدة تعريفات بأن الخطر هو حدوث حدث مغاير لما هو متوقع أو حدوث حدث سلبي غير مؤكد وعرفه البعض أيضاً بأنه الخوف أو الشك في قوع الخسارة، مثلما لما تتحدث مع صديق الاستراحة وما أجملهم من أصدقاء عندنا يقترحون ما لذ وطاب من المشاريع فيقول أحدهم لماذا لا تفتح كوفي فيرد عليه أحدهم لا خطير المشروع يمكن نخسر أو تخسر !

ظهر علم إدارة المخاطر بعد الحرب العالمية الثانية عندما تكبدت المصانع والمنشآت خسائر كبيرة ولم يكن لديها الا شركات التأمين لإنقاذها وكما هو معلوم أن التأمين وسيلة شهيرة لنقل الخطر و هذه الوسيلة نقوم بفعلها أنا وأنت سنوياً عندما نقوم بتجديد تأمين السيارة فإننا بذلك ندير الخطر بنقل هذا العبء الى طرف آخر وهو شركة التأمين.

لكن ظهور هذا العلم ليس لدعم شركات التأمين بل للبحث عن طرق أخرى أقل تكلفة لمنع أو تقليل حدوث المخاطر أو الخسائر أي أن تكون استباقياًProactive  وتقوم بإجراءاتك قبل حدوث الخسائر.

وبالنظر الى هامبرغيني بعد انتشار خبر التسمم في وسائل التواصل الاجتماعي وبعد تأكيده من قبل الجهات المختصة ظهرت تغريدات سلبية سابقة في منصة X من قبل المستهلكين قبل هذه حادثة التسمم بسنتين أو ثلاثة حيث أظهرت هذه المنشورات استياء هؤلاء الزبائن من المنتجات المقدمة منها وجود حشرات داخل الأكل أوعدم استواء البرغر أو شكوك بأن البطاطس المقدمة مقلية بزيت قديم أو لم تكن مستوية بشكل كامل.

هذه التغريدات المنشورة أو الإنتقادات تسمى في إدارة المخاطر مؤشرات خطر Risk triggers أو(red flags اذا أحببت تسميتها!) وهي علامات أو دلائل أو اعلان على مخاطر ربما سوف تتعرض لها سواء كانت قانونية او مالية ، أي أنك يجب أن تخطط وتحاول تقليل حدوث هذا الخطر بمراجعة الإجراءات لديك من قسم الجودة بالتأكد من صلاحية اللحوم وسلامة طهيها، وقسم خدمة العملاء بالتواصل مع هؤلاء المستهلكين المحبطين لمعالجة هذا الخلل قبل وقوع الخسائر. 

تأثير المخاطر على الحياة الشخصية

ربما يتبادر الى ذهننا سؤال أيضاً وهو كيف تؤثر المخاطر على حياتنا أو كيف نستفيد من إدارة المخاطر على المستوى الشخصي ؟

تذكر المثال السابق الذي ذكرناه وهو أننا ندير الخطر سنوياُ بتأمين السيارة التي نستخدمها كل يوم تفادياً للخسائر المحتملة عند وقوع الحادث سواءً كان تأميناً شاملاً أو تأمين الطرف الثالث المعروف بضد الغير ، وربما أنت تدير الخطر يومياً ولكن لاتدرك أو تنتبه لذلك وهوعندما تستيقظ الصباح وتركب سيارتك أول شيء تفعله هو أن تربط حزام الأمان ،ربطك لحزام الأمان ليس فقط تفادياً للمخالفات (ربما الغالبية التزمت بهذا السبب!) بل لتقليل مدى الإصابة عند وقوع حادث لاسمح الله، أيضاً ذهابك للمطار مبكراً (خصوصاً أهل الأحساء المعتادين على مقولة نسافر حتى نسافر لمطار الدمام ،البحرين أو قطر!) تفادياً للزحام أو مخاطر الطريق المفاجئة كل ماتفعله ذلك يسمى إدارة للمخاطر.

لن أنسى ماحدث لي قبل أعوام أن من أهم سفراتي التي قمت بعملها و عند وصولي الى المطار للوجهة تفاجأت بعدم وجود حقائبي وتأخرت لأكثر من يومين وعندما بحثت وقرأت عن هذا الموضوع وجدت مدونة أجنبية تقول لا تسعد كثيراُ عندما يكون الترانزيت أقل بساعة ونصف فغالباً لن تصل حقائبك معك اي أن هذا مؤشر للخطر بأن حقائبك لن تأتي معك اذا كانت هذه مدة الإنتظار للطائرة الأخرى ،ومن بعدها أصبحت أحاول قدر المستطاع شحن الحقائب معي وان لم أستطع أحاول وضع ما يمكن استخدامه لمدة يومين الى ثلاثة معي للطائرة وذلك تقليلاً للمخاطر الحاصلة لو تأخرت الحقائب وتكرر لي نفس الموقف. ومن خلال نفس سياق السفر يحدث أن سمعت أو وجدت أن أحد الأشخاص تم سرقة مايملك من الكاش أو نساها أو لم يجدها معه أو حتى تفاجأ أن بطاقته الإئتمانية لا تعمل (ربما هذا الموقف يحدث لكثير من الأجانب لدينا عندما تًرفض بطاقته الإئتمانية وقبول المحل مدى فقط!) تستنتج بعد ذلك حتى لا تتعرض لهذا الموقف وتكون استباقياً فتقوم بتوزيع الأموال على أكثر من بطاقة وكاش عند سفرك حتى لا تتعرض لخطر التعطل وتكون مرتاح البال. 

وعلى المستوى المهني أيضاً ، تخيل أنك تعمل في أحد الشركات لسنوات بعمل روتيني متكرر ولاحظت فجأة أن هناك تسرب وانهاء عقود لمن حولك من الموظفين هذه نعتبرها كما ذكرنا مؤشرات للخطر وربما يأتيك الدور لفصلك وربما لا.

هنا اجلس مع نفسك واسأل نفسك بعض الأسئلة هل استعديت لهذا اليوم، هل طورت من مهاراتك؟ هل لديك شهادات أعلى؟ هل حدثت سيرتك الذاتية ؟ هل لديك منتج أو خدمة تستطيع تقديمها والاستفادة منها ؟ أو متجر الكتروني يدر عليك دخل اضافي ؟ اذاً هذه الأسئلة تساعدك أن تكون استباقياً وجاهزاً لأي طارىء يحدث لك على المستوى المهني ، اذاً ادارة المخاطر على المستوى شخصي ليس فقط تقلل من حدوث الخسارة لك بل أيضاً تحفزك على التطوير الشخصي والمهني والخروج من منطقة الراحة والتطور.

هنا يمكن القول أن إدراك المخاطر وإدارتها مهمة لأي فرد أو منظمة سواء كان صغيراً أم كبيراً فهناك مرونة وقابلية لعملها لأي مستوى من المستويات ويمكن تحديد وايجاد المخاطر المتوقعة بالرجوع الى الأحداث أو التجارب السابقة لك أو للآخرين أو استخدام أداة ماذا لو ، (فتحت مشروع عبارة عن مقهى صغير) ماذا لو تأخر المحصول ؟ ماذا لو ارتفعت أسعار المواد الأساسية؟ ماذا لو ارتفع سعر الإيجار ؟ ماذا لو تلقيت تقييم سيء في خرائط قووقل.

تذكر تخطيطك للمخاطر لا يُعتبر أن تكون سلبياً بخلق أسوء السيناريوهات بل ذلك يُعزز أن تكون جاهزأ ومرتاحاً لماهو مجهول لأن العقل البشري بطبيعته لا يحب الظبابية والمجهول ويستطيع غلق هذه الفجوة والخوف بإدارة المخاطر ومع ذلك حتى مع تخطيطك لها لن تستطيع السيطرة على جميعها بل ستقلل حدتها ونسبة تأثيرها.