حديث بين صديقين عن الشراكات: كيف تفهم المنظومة قبل أن تديرها

في عالم تتسارع فيه المشاريع والشراكات، لا يبدأ النجاح من العقود والاتفاقيات، بل من الفهم العميق للمنظومة الداخلية: كيف تفكر؟ كيف تتخذ قراراتها؟ وما الذي يجعلها تنجح أو تتعثر؟ المقال يكشف كيف أن قراءة الإيقاع الخفي للمنظمة — ثقافتها، إجراءاتها، وأدواتها — هو ما يصنع الشراكات الذكية والمستدامة. فهم المنظومة ليس ترفًا إداريًا، بل خطوة استراتيجية تحول الإدارة من عملٍ ميكانيكي إلى فنّ إنساني يوازن بين العلاقات والنتائج.

حديث بين صديقين عن الشراكات: كيف تفهم المنظومة قبل أن تديرها
النجاح في الشراكات لا يبدأ من الورق، بل من الداخل — من فهم إيقاع المنظومة وثقافتها وطرق تفكيرها. من يدير دون أن يفهم… يُرهق العلاقة بدل أن يبنيها.


فهم المنظومة قبل إدارة الشراكة: كيف تبدأ من الداخل لا من الورق

قال لي صديقي ذات مساء:

“أتعرف يا نوح؟ أكثر ما يُربك في أي عمل جديد، أنك لا تفهم كيف تسير الأمور فعلاً… الناس طيبون، الخطة واضحة، لكن الإيقاع غريب!”

ابتسمت وقلت له:

“بالضبط، لأن التحدي الحقيقي ليس في حجم العمل، بل في فهم المنظومة نفسها — كيف تفكر؟ كيف تتخذ القرار؟ وما الذي يجعلها تتحرك ببطء أو بسرعة؟”

صمت قليلًا ثم أضاف:

“يعني قبل أن أبدأ أي شراكة، أحتاج أن أفهم ثقافتهم؟”

قلت له وأنا أضع كوب القهوة على الطاولة:

“تمامًا. كل منظومة لها نبضها الخفي، وإيقاعها الخاص، وأبطالها الذين لا يظهرون أمام الكاميرا. ومن لا يسمع هذا الإيقاع… يُرهق العلاقة بدل أن يديرها.”

الثقافة التنظيمية: لغة خفية تحكم الشراكة

قلت له:

“في بيئة الشراكات، الناس هم الجوهر، لا الورق. كل جيل له لغته الإدارية، وكل بيئة لها طريقتها في صنع القرار. القائد الذكي لا يبحث عن المثالية، بل يصنع الانسجام بين الاختلافات.”

أومأ برأسه وقال: “لكن هذا يحتاج صبرًا وذكاءً اجتماعيًا.”

فابتسمت وقلت: “وهنا يأتي دور الذكاء العاطفي — أن تفهم دوافع الآخرين، تقرأ مشاعرهم، وتحولها إلى طاقة إيجابية بدل تصادم.”

هندسة المنظومات والشراكات: التوازن بين الإنسان والنظام

سألني: “وكيف أتعامل مع كثرة الإجراءات؟ كل شيء يبدو معقّدًا!”

قلت له:

“السر في هندسة الإجراءات (Process Engineering).
لا تتعامل مع النظام كحقيقة جامدة، بل كتصميم قابل للتطوير. أضف الأدوات التي تسرّع الأداء، احذف ما يبطئ، وثبّت ما يضمن الجودة.”

ثم أكملت:

“المفتاح أن تفهم أن الهدف ليس كثرة الإجراءات، بل جعلها تعمل بانسجام مع الإنسان والزمن، وأن توازن بين التغيير والقدرة على التكيّف.”

عن المُمكِّنات والمنتج (Processors & Product)

قال وهو يدوّن ملاحظات صغيرة:

“وماذا عن الأنظمة والأدوات؟ هل أبدأ منها؟”

قلت له:

“كل منظومة لها بُعدان:
الأول، المُمكِّنات — أنظمتها وأدواتها ومنصاتها، وهي تعكس نضجها الداخلي.
والثاني، المنتج أو الخدمة التي تُظهر أثرها للعالم. ولكي تنجح في الشراكة، عليك أن تفهم الاثنين معًا: كيف تعمل الأدوات؟ ولماذا صُمم المنتج بهذا الشكل؟ وكيف يمكن تطويرهما دون الإضرار بالتوازن؟”

ثم أضفت:

“القائد الواعي لا يغيّر الأدوات فقط، بل يفهم الغاية منها، ويربطها برؤية المؤسسة المستقبلية.”

خمس خطوات قبل أن تدير أي شراكة

قال صديقي مبتسمًا:

“طيب اختصرها لي يا نوح بخطوات عملية، قبل أن أغرق في الفلسفة!”

ضحكت وقلت له: “حاضر، خذها كخريطة بسيطة:”

  1. راقب قبل أن تتحدث.
    افهم ثقافة المكان، ومن يؤثر في القرار، وكيف تُدار النقاشات.

  2. اسأل لماذا قبل أن تغيّر كيف.
    استوعب الدافع وراء الطرق الحالية قبل أن تقترح أي تعديل.

  3. ارسم خريطة المنظومة.
    حدّد الأشخاص، والعمليات، والسياسات، والمُمكِّنات التقنية التي تؤثر في العلاقة.

  4. اختبر الأدوات من خلال النتائج.
    راقب المنتج النهائي للشراكة وقِس مدى انسجامه مع الرؤية المشتركة.
    ثم قرّر: ما الذي يُبنى؟ وما الذي يُبقى؟ وما الذي يُعاد تصميمه؟

  5. ابدأ التغيير بالتواصل لا بالأمر.
    فالشراكة تُدار بالحوار، لا بالتعليمات.
    وضّح الهدف، وشارك الفكرة، وامنح الفريق مساحة ليكون جزءًا من التصميم.

من الخارج إلى الداخل

قلت له وأنا أستعد للمغادرة:

"الشراكة لا تُدار من الخارج، بل من الداخل. من يفهم المنظومة، يقرأ إشاراتها غير المكتوبة، ويهندس أدواتها بطريقة تُسرّع الأداء وتُعمّق الثقة.
فالإدارة ليست أن تفرض نموذجك، بل أن تُعيد صياغة النموذج بما يليق بالمنظومة التي تنتمي إليها.”

ابتسم وقال:

“أظنني فهمت الآن… قبل أن أوجّه، سأتعلم أولًا كيف أستمع.”