التعلق القلقي بين الجذور المبكرة وتجلياته في العلاقات البالغ
عندما ينشأ الإنسان في بيئة يغيب عنها الأمان ويتذبذب فيها حضور الرعاية، يتعلم أن القرب نفسه يمكن أن يكون مصدر خوف. التعلق القلقي هو نمط من أنماط التعلق التي تفسرها نظرية التعلق، ويتميز برغبة جارفة في القرب وخشية دائمة من الهجر. في هذا المقال سنغوص في جذور هذا النمط، ونحكي قصصًا عن أشخاص وقعوا في فخ التعلق القلقي، ونحلل كيف يتحول الحب إلى هاجس، وكيف يمكن تحويل هذه الطاقة إلى قوة شفاء.
في سردية حياة كل انسان، هناك فصل مبكر يكتب قبل ان تتشكل اللغة وقبل ان يتعلم العقل كيف يسمي الاشياء. هذا الفصل لا يسكن الذاكرة الواعية، بل يستقر في العمق، في الجسد وفي نمط الاستجابة العاطفية. في حضن ام متعبة، او بين يدين لا تعرفان الثبات، تتكون خريطة داخلية للعلاقات. هذه الخريطة لا تخبر الطفل بما يشعر فقط، بل تعلمه ماذا يتوقع من القرب، وماذا يعني الغياب، وكيف يفسر التغير في نبرة الصوت او تأخر الاستجابة. من هنا يتشكل ما يعرف في علم النفس بالتعلق القلقي، وهو نمط لا ينشأ بالضرورة من قسوة صريحة، بل من عدم الاتساق، من حب حاضر احيانا وغائب احيانا اخرى، ومن رعاية لا يمكن التنبؤ بها.
التعلق القلقي هو نتاج بيئة تعلم الطفل فيها ان حاجته قد تلبى وقد تؤجل دون منطق واضح. البكاء لا يصبح وسيلة تعبير فقط، بل اداة اختبار. هل سيأتي الاخر ام لا. ومع تكرار التجربة، يتشكل درس صامت لكنه عميق مفاده ان القرب غير مضمون، وان الطمانينة حالة مؤقتة. تشير الابحاث السريرية الى ان الطفل في هذه البيئة لا يطور فقط حساسية عالية للانفصال، بل يطور ايضا يقظة مفرطة لاشارات الرفض، حتى قبل ان تقع فعليا.
قدمت ماري اينسورث من خلال تجاربها حول التعلق فهما دقيقا لهذه الدينامية. الاطفال ذوو التعلق القلقي يظهرون ضيقا شديدا عند مغادرة مقدم الرعاية، لكن عودته لا تعيد لهم الهدوء بسهولة. هنا تكمن المفارقة النفسية. المصدر الذي يفترض ان يكون ملاذا امنا يصبح هو نفسه مصدرا للتوتر. هذا التناقض لا يختفي مع الزمن، بل يعاد تمثيله في العلاقات البالغة. الشريك يصبح امتدادا لصورة قديمة، علاقة يتخللها خوف دائم من الفقد، حتى في لحظات القرب.
في العلاقات العاطفية، يظهر التعلق القلقي على شكل مراقبة مستمرة للاشارات. الصمت يفسر كرفض، وتأخر الرد يحمل معنى الهجر، واختلاف المزاج يقرأ كتهديد مباشر للعلاقة. الشخص لا يعيش العلاقة كما هي، بل يعيشها من خلال عدسة الخوف. هو لا يبحث عن الحب فقط، بل عن ضمان بقائه. وكلما شعر بالاقتراب، زاد قلقه من فقدانه. فيسعى الى الطمانة بشكل متكرر، او يختبر الشريك، او يبالغ في التعلق، مما يخلق ضغطا عاطفيا قد يرهق العلاقة نفسها التي يخشى خسارتها.
في هذا السياق، استخدم روبرت غرين استعارة الحريق الخفي لوصف التعلق القلقي. من الخارج يبدو دفئا جذابا، شغفا واهتماما وحرصا، لكن الاقتراب الشديد يكشف حرارة مؤلمة. في قصصه عن الشخصيات التاريخية والعلاقات المعقدة، يظهر نمط متكرر. اشخاص يتوقون الى قرب لا نهائي، وحين يحصلون عليه، يبدأون في اختباره خوفا من ضياعه، فيفسدونه دون وعي. ليس لانهم لا يحبون، بل لانهم يخافون.
التحول في هذا النمط لا يبدأ من الشريك، بل من الداخل. الوعي هنا ليس فكرة مجردة، بل لحظة ادراك عميقة بان الخوف الحالي ليس دليلا على الواقع، بل صدى لقصة قديمة. حين يفهم الفرد ان قلقه ليس نبوءة، بل ذاكرة عاطفية، يبدأ الفصل بين الماضي والحاضر. هذا الفصل لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر ممارسة واعية للتنظيم العاطفي، وتعلم تهدئة الجسد قبل تهدئة الفكرة، وتوسيع مصادر الامان لتشمل الذات لا الاخر فقط.
العلاج النفسي يلعب دورا مهما في هذه الرحلة، لكنه ليس الطريق الوحيد. بناء تعلق اكثر امانا يتطلب اختيار علاقات تتسم بالاتساق والوضوح، والتدرب على طلب الاحتياجات دون خوف او اختبار، وتحويل جزء من الطاقة الموجهة لمراقبة الاخر الى بناء هوية مستقلة. كلما شعر الفرد بقدرته على تلبية بعض احتياجاته بنفسه، خف ضغط التعلق القلقي، وتراجع الخوف من الفقد.
في النهاية، التعلق القلقي ليس حكما نهائيا على العلاقات، بل نمطا مكتسبا يمكن تغييره. حين يرى الانسان الخيوط التي تربط ماضيه بحاضره، لا ليجلد ذاته، بل ليفهمها، يصبح قادرا على فك هذه الخيوط بهدوء. عندها فقط، يتحول القرب من مصدر قلق الى مساحة امان، ويتحرر الحب من الخوف، ليعود الى جوهره الطبيعي علاقة تقوم على الثقة لا على الترقب.






