كيف تخلت المرأة العاملة عن دورها في المنزل وتطلب من الزوج تعويض دورها

تحلل هذه المقالة التغيرات في دور المرأة العاملة وكيف يمكن أن يؤدي انشغالها بوظيفتها إلى إهمال مسؤولياتها المنزلية وتربية أطفالها، مما يدفعها للمطالبة بتعويض مادي من الزوج لتغطية تكاليف الخادمات والحضانات. يستند المقال إلى رؤية فلسفية ودينية وسيكولوجية تربط بين قيمة المرأة في العلاقة وتوازن الأدوار والمسؤوليات، ويطرح سؤالاً حول العدالة بين العمل والأسرة.

كيف تخلت المرأة العاملة عن دورها في المنزل وتطلب من الزوج تعويض دورها
صورة تعبيرية توضح كيف تترك المرأة العاملة منزلها للذهاب إلى العمل وتترك أطفالها مع مربية وتطالب الزوج بتعويض المسؤوليات المنزلية


في العقود الأخيرة ازداد حضور النساء في سوق العمل السعودية بشكل ملحوظ. لم يعد عمل المرأة مجرد استثناء أو حاجة اقتصادية، بل أصبح تعبيرًا عن شغف وطموح وقدرة على الإنجاز. إلا أن هذا التحول السريع، قد أدى إلى اضطراب في فهم الأدوار وتوازنها داخل البيت. فبعض النساء اللاتي يخرجن إلى العمل لا يأخذن في الاعتبار أن مسؤولياتهن داخل المنزل لا تختفي بمجرد الحصول على وظيفة، بل تتطلب إعادة تنظيم وليس إلقاء الحمل على كتف الزوج وحده.

يرى بعض الفلاسفة منذ أرسطو وحتى مفكرين معاصرين أن تقسيم العمل داخل الأسرة ليس قيدًا بل هو عقد شراكة. فالمنزل هو المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان الحب والرحمة والاحترام. عندما يذهب الرجل إلى عمله ويعود منهكًا، فهو يحتاج إلى بيئة دافئة ومتوازنة حتى يستعيد عافيته. وحين تترك المرأة العاملة هذا الفراغ دون أن تفكر في كيفية ملئه، يتحول الحديث عن "التعويض المادي" – دفع تكاليف الخادمات والحضانات – إلى معادلة غير عادلة تستنزف الموارد دون أن تعالج أصل المشكلة، وهو تلاشي القيمة المعنوية للعلاقة.

يتفق علماء النفس أن وجود الأم في حياة أطفالها في سنواتهم الأولى له تأثير كبير على نموهم العاطفي والنفسي. دراسة أمريكية حديثة أظهرت أن الأطفال الذين يقضون وقتًا أطول مع أمهاتهم يتمتعون بمستويات أعلى من الثقة بالنفس والاستقرار النفسي مقارنة بمن يتم تركهم لفترات طويلة مع مربيات. هذا لا يعني منع المرأة من العمل، لكنه يشير إلى أن غيابها المستمر يحتاج إلى تعويض حقيقي من خلال حرصها على التواصل مع أبنائها وبناء علاقة حقيقية معهم. التعاقد مع حضانة أو خادمة لا يعوض دفء الأم، بل يستجيب لجزء من الاحتياج العملي فقط.

في الحوار اليومي بين الرجال والنساء كثيرًا ما يطرح الرجال تساؤلاً مؤرقًا: هل القيمة التي تضيفها المرأة العاملة لزوجها تعادل ما تطالبه منه من نفقات وراحة؟ هذا السؤال ليس اتهامًا بقدر ما هو دعوة للتفكير في معنى الشراكة. عندما تشعر المرأة بأن قيمتها تكمن في راتبها فقط، فإنها تقلل من قيمة العطاء العاطفي والروحي الذي لا يقدر بثمن. على الجانب الآخر، يختزل بعض الرجال دور المرأة العاملة في كونها "مصدر دخل إضافي"، مما يخلق شعورًا بالاستغلال والاستنزاف. كلا الطرفين بحاجة إلى أن يعيدا تعريف الأدوار بحيث تصبح القيمة الجوهرية للعلاقة قائمة على الحب والدعم المتبادل، لا على الحسابات المالية فقط.

من منظور اجتماعي، ينتشر في بعض البيوت السعودية خطاب استحقاقي ترى فيه بعض الزوجات أن حصولها على وظيفة يخولها التنازل عن مهام بيتها تمامًا، وأن تعويض ذلك يجب أن يتحمله الزوج ماديًا. هذا السلوك يغيب عنه إدراك أن المنزل ليس مجرد مكان للإقامة بل هو حضن للعائلة. المسؤولية ليست مجرد ترتيب وتنظيف، بل هي أيضًا استشعار لاحتياجات الزوج والأبناء وتقديم الدعم النفسي لهم. حين تخلت المرأة العاملة عن هذا الدور دون بديل حقيقي، أفرغت العلاقة من محتواها وتحولت إلى تبادل خدمات.

يذكر المفكرون الإسلاميون أن الشريعة كرمت المرأة وجعلت لها حقوقًا واضحة، لكنها في الوقت نفسه أكدت على التوازن والعدل. فلا يسقط واجب رعاية المنزل عن المرأة بسبب عملها، كما لا يسقط واجب النفقة عن الرجل إذا ساعدت زوجته في الاقتصاد. الخطاب النبوي يوصي بالرفق بالنساء، ويحثهن على حسن تبعل الزوج. المقصود بحسن التبعل ليس الخضوع الأعمى، بل القدرة على تقديم الحب والدعم وإدارة البيت بحكمة. كما أن على الزوج أن يقدر تعب زوجته ويشعر بها، فلا يحول بيتها إلى محطة عابرة، بل إلى وطن آمن.

علم النفس الإيجابي يعلّمنا أن الامتنان المتبادل يعزز العلاقات. كلما عبرت المرأة عن تقديرها لجهود زوجها وسعيه لتوفير حياة كريمة، ازداد احترامه لها وشعوره بالانتماء إليها. وكلما عبر الرجل عن تقديره لتضحيات زوجته وحرصها على التوفيق بين عملها وبيتها، ازداد شعورها بالأمان والرغبة في العطاء. هذه المشاعر لا يمكن شراؤها بالأموال ولا توكيل الخادمات، بل تنبع من وعي عميق بقيمة الإنسان.

خلاصة القول إن عمل المرأة خارج المنزل ليس جريمة، بل قد يكون مصدر إلهام وقوة للعائلة بأسرها إذا تم إدراكه ضمن إطار من التوازن والعدل. لكن تجاهل الدور الداخلي وإلقاءه على عاتق آخرين مع مطالبة الزوج بالتعويض المادي سيؤدي حتمًا إلى فجوة في العلاقة. لذا، قبل أن تخرج المرأة من بيتها وتطالب بتعويضات، عليها أن تسأل نفسها: هل لديَّ قيمة أضيفها لزوجي وأسرتي تعادل ما أطالب به؟ وهل أعي أن الشراكة الحقيقية تتجاوز مجرد توزيع المهام لتصل إلى بناء حياة متكاملة من الحب والاحترام المتبادل؟