"الإصرار والصبر والتحدي " قصه بطلها الدكتور مصطفى محمود
في هذا المقال لن يتم التركيز عن إنجازات الدكتور مصطفى محمود بصوره خاصه ،فهي غنيه عن التعريف، فمؤلفاته وكتبه لازالت تملأ المكتبات، وبرنامجه المشهور "العلم وإلايمان" برنامج غني عن التعريف، و لازال اسمه يذكر ومقاطع له منتشره على جميع البرامج. ولكن هنا سيتم تناول الشخصيه من منظور آخر، سيتم تناولها كمثال ورمزا "للإصرار والتحدي والصبر" ، والتي يمكن رؤيتها من خلال المصاعب التي واجهها في مسيرة حياته العلميه والعمليه وحتى في حياته الخاصه. فبالرغم من جميع العقبات التي واجهها، كان مستمرا بالعطاء إلى آخر يوم ودع فيها هذه الحياه. الدكتور مصطفى محمود كان ولايزال رمزا للاصرار والتحدي والصبر. وصبره، وإصراره، وصفة التحدي التي امتلكها ( وهنا اقصد تحدي الظروف)، تجسدت لنا من خلال إنجازاته التي لم ولن تنتهي، وستستمر الأجيال تلو الأخرى تقرأ كتبه وتردد كلماته. فرحم الله الدكتور مصطفى محمود، وجعل علمه الذي انتفع وينتفع وسينتفع به الناس شفيعا له يوم القيامه.
قصة "ألم ورحلة مع المرض" يقابلها "تحدي وصبر وإصرار", بطلها الفيلسوف والمُفكر والأديب والكاتِب "الدكتور مُصطفى مَحمود". إذا ما إستعرضنا قصة حياة الدكتور مصطفى محمود وما واجَههُ منذ الصِغر من عَقبات وأزمات لحين وفاته، ونُقارنها بإنجازاتِه. هذه المُقارنه تجعلنا نُدرك بأن الدكتور لم يترك لنا كُتبه فقط للتعلم منها، بل ان قصة حياته نفسها هي مصدر إلهام, مصدر يُخبرنا بأنهُ مهما كانت الحياة قاسية، ومهما تعاقبت الأزمات والآلام والإبتلاءات، فإن الإنسان بصبره وإصراره وتحديه لجميع الظروف, قادر على أن تحقيق هدفه في هذه الحياة. مصدر يُخبرنا بأنه لايأس مع الحياة مهما كانت الظروف.
فهذه المقارنه وحدها كافيه على أن تكون أكبر حافز لكل شخص يمر بظروف صعبه، قادرة على أن تمنح شعوراً قوياً بالإستمرار ،والثقه بالنفس، والصبر رغم الصعاب والتركيز على الهدف في الحياة رغم كل شيء.
فما هي العقبات والأزمات التي واجهت الدكتور مصطفى محمود؟ وكيف واجهها ؟
من هو الدكتور مصطفى محمود؟
مُصطفى كمال مَحمود حسين آل محفوظ, وِلِد في جمهوريه مصر العربيه عام 1921. بدأ في طلب العلم منذ الرابعه من عمره, حيث إلتحَق بما يُسمى بالكُتاب, ثم بَعدها إلتحق بمدرسة "الشوكي" ,وهناك حَفظ الكثير من سور "القرآن الكريم" , ودَرس الحِساب واللُغه العَربيه. بعدها إلتحق بمدرسة "طنطا" لإكمال دِراستهُ الثانويه. ثم إلتحق بعدها بكليه الطب -تخصص أمراض صدرية في "جامعة الأزهر" وتخرج منها عام 1953,وعمل بعدها كطبيب بدوام كامل. عمل أيضا كصحفي في أكثر من مجله,وكتب عدة كتب متباينه المواضيع وقتها. في عام 1960, ترك عمله كطبيب وتفرغ للكتابه والأدب. كَتبَ الدكتور خلال حياته عدِة كُتب ومَسرحيات (حوالي 89 كتاب بمواضيع متنوعه ),وقدم برنامجه الشهير " العلم والإيمان".
العقبات التي واجهها الدكتور مصطفى محمود خلال حياته
- في طفولته وبسبب الخوف من ضرب المُعلم لهُ, تَغيب عن الدِراسه لمُدة ثلاثة سنوات في المدرسة الإبتدائية.
- خلال دِراستهُ في كليه الطب وتحديداً في السنه الثالثه, تَضررَ جِهازهُ التَنفُسي بسبب المواد الكيميائية المُستخدمه في التشريح, مما أدى به بالنتيجه إلى دخول المَصحه وترك الدراسه في الكليه لمدة ثلاثة سنوات.
- مر خلال حياته بتجربتين زواج, إنتهت كِلاهما بالفشل والإنفصال.
- في عام 1960, وبعد تعرضهُ لهبوط شَديد في كُريات الدم البيضاء بسبب تعرضهُ للأشعه أثناء فحصه للمرضى, قَدم إستقالته من العمل كطبيب. وكان سبب الإستقاله بالإضافه إلى مرضه, هو إصابته بالإحباط الشديد بسبب عدم قدرة الطب على علاج البشرعلاجاً حقيقياً, فترك على أثرها الطب نهائياً وتَفرغ للأدب.
- في أثناء مسيرته الأدبيه ككاتب, تَعرض عام 1956 لهجوم واسع بسبب نشره لكتاب "الله والانسان", وتمتت محاكمته, ولكن لجنه المحكمه إكتفت فقط بمصادرة الكتاب كعقوبه. والذي لاحقا وفي عهد الرئيس الراحل انور السادات تم رفع الحضر عن الكتاب ونشره.
- تَعرض ايضا لِعدة إنتقادات واسعه وهَجمات بسبب إصداره لكتابي " حوار مع صديقي الملحد" و " القرآن: محاولة لفهم عصري". والهجمات والإنتقادات كانت بسبب إن البعض كان يرى بأن الدكتور مصطفى غير متخصص في مجالات علوم الدين والفلسفه التي يؤالف فيها.
- تعرض برنامجه الشهير "العلم والإيمان" لعدة ازمات : أولها حدثت في عام 1976, حيث واجَه البرنامج أزمه سببها نفاذ الأفلام التي تم الحصول عليها من سفارات الدول الغربيه ,مما دفع الدكتور مصطفى للسفر بنفسه لإحضار شرائط جديده على حسابه الخاص, إلا انه وبعد عودته رفضت رئيسة التلفزيون تسديد المبلغ الذي دفعه , مما سبب مشكلة وتوقف للبرنامج. إلا أن الأزمه تم حلها لاحقا بتدخل صاحب إاحدى الشركات التابع للقطاع الخاص, حيث قام بتسديد المبلغ وتَبني البرنامج, وتم بعدها تسجيل حلقات البرنامج في عدة دول منها تونس واليونان ,ولندن في عام 1980. الأزمه الثانيه , بعد ان طلب وزير الاعلام إعداد ثلاثون حلقة من البرنامج وحققت إيرادات عاليه لمدة عامين من عام 1995 ولحد عام 1997, حيث حقق بث الحلقات أعلى ايرادات وصلت الى عشرة ملايين دولار. إلا أنه تم منع أربع حلقات من قبل التلفزيون المصري لأسباب سياسيه بالرغم من عرضها في قنوات فضائيه عربيه اخرى مما سبب بعض المشاكل. الأزمه الثالثة والاخيره كانت في نهايه عام 1997 ، حيث صَدر قرار من الرئاسة المصرية بإيقاف بث البرنامج, بسبب عدة حلقات تناولت موضوع الكيان الصهيوني وبسبب الضغوط السياسيه, تم إيقاف عرض البرنامج بصورة نهائية.
- بعد إصدارة لِكتاب "الشفاعة محاولة لفهم عصري", والذي سلط الضوء فيه على تفسير الشفاعة النبوية الكريمه وكسر الفهم التقليدي لها عند معظم الناس, تعرض لهجمه كبيرة من المصريين ومن الازهر .حيث إتهموه بالكذب والكفر دون أن يستمعوا إليه أو حتى يقرؤ كِتابه. وهذه الحادثه أثرت عليه تأثيراً كبيراً, مما جَعله يعتزل الناس وأُصيب بعدها بجلطه دمويه وتدهورت صحته بشكل كبير.
- خلال حياته أجرى إثنان وعشرون عملية جراحية , منها عملية في القلب, وعملية إزالة أجزاء من الأمعاء, وأُصيب خلال حياته بالكثير من الأمراض آخرها جلطه في المخ.
من خِلال إستعراض العقبات والأزمات التي واجَهها الدكتور مصطفى محمود في حياته العلميه والعمليه والخاصه, يتبادر إلى الأذهان عدة أسئلة أهمها؟
- كيف لشخص مَرَ بكل هذهِ الأزمات أن يستمربالعطاء والإبداع, ويبني إرثاً علمياً إستمر ولازال مستمراً للأجيال القادمه, حتى بعد مماته؟
- أليسَ من الصعب أن يواجه شخص عادي واحده فقط من هذه العقبات, ويستمر؟ فما بالك عِدة عَقبات متنوعه ومستمره على مدار السنين؟
كيف واجه الدكتور مصطفى محمود هذه الازمات؟
واجَهَ الدكتور مُصطفى مَحمود جميع مامَرَ عليه من عَقبات وأزمات "بالإصرارا والتحدي والصبر".
- فالإصرار والصَبُر تمثلا بالمرونة التي تحلى بها الدكتور مصطفى في مواجهه المشاكل, والتكيف مع الوضع الصحي, والتركيز على هدف أسمى طويل الأمد. فإصرار الدكتور مصطفى محمود، وتصميمه على إكمال رسالته وهدفه في الحياة كأديب وكاتب في علوم الدين والفلسفه لم يتم زعزعتها بأي شكل من الأشكال, حتى لو كانت بشكل هجمات وأتهامات ومحاكمات تدينه جميعا بحجه عدم الإختصاص , فهي لم تثنيه عن الإستمرار, فثقتهُ بنفسه ورِسالته وعِلمه وعَقليته كانت إستثنائية, تَمثلت في النظر إلى النَكسات كفُرص للتَعلم. فصفة الإصرار دفعته إلى مواصلة التقدم على الرغم من الصعوبات , ومكنته من التَعلم من الإخفاقات , والحفاظ على الدافع. فإستَمرَ في المضي قدماً حتى عندما كانت الرِحله شاقه وصَعبه متمثلة بالنَكسات الصحية، والنَكسات الإجتماعيه المُتمثلة بِعَدم إستقرار حياته (طلاقه مرتين). فبالرغم من كل شيء, كان صامداً قادراً على التعافي من النَكسات والإخفاقات والرفض, وكانت هذه الظروف بالنسبه إليه كفُرص للتعلم والتحسن بدلا من كونها أسباباً للإستسلام. فقد كان مدركاً بأن الإنجازات الكبيرة تتطلب الوقت والجُهد و الإلتِزام بالهدف السامي الذي كرس نفسه لأجله, وهوطلب العلم ونشره للعامه والخاصه.
- وعلى مدى فتراتٍ طويلة أثبت الدكتور مُصطفى مَحمود بأنهُ كانَ قادراً على إدارة التوتر والإحباط عند مواجهه الصعوبات, ومنع المشاعر السلبية من عرقلة تقدمه. فكان مؤمنا بقدراته , وبأن العقبات ماهي إلا سُبلاً للنمو والتقدم. فبسبب إمتلاكه الرؤية الواضحه للهدف النهائي, توفرت لديه الدوافع الضرورية للإستمرار حتى عندما كانت الأُمور صعبة (اتهامات ومحاكمات).
- اما صفه التحدي فقد تَمثلت بالتقدم رغم كل العقبات، بإعتبارها تحديات مَنحتهُ فُرصة للنمو والإستمرار.وعَززت صِفات أساسية فيه كالصمود والثبات والرغبه بالتطور .ففي بداية حياته عندما سَببَ لهُ المَرض تأخراً في الدراسة الجامعيه لثلاثة سنوات.بعد أن تعافى مباشرةً, أكملَ طريقهُ وتَخرج وعَمل كطبيب وأديب وفيلسوف ومفكر. فصفه تحدي الظروف كانت واضحه متمثلةً في الإستمراريه، كإستمراره بتقديم برنامجه الشهير رغم أكثر من عقبه واجهته, فبالرغم من كل الأزمات التي مر بها البرنامج إلا أنه إستمرَ مايقارب عشرونَ عاماً, وهذا أكبر تحدي للظروف التي واجهته.
اشهر اقوال الدكتور مصطفى محمود
- "أنتَ حُر وحَياتك مُغامرة..وغَدك مَجهول..أنت الذي تُقيم أصنامك وأنت الذي تُحطمها"
- "قيمه الإنسان هي مايُضيفه إلى الحَياة بين ميلاده وموته"
- "السعاده ليست ليست في الجمال ولافي الغنى ولافي الحُب ولافي القوة ولافي الصحه , السعادة في إستخدامنا العاقل لكُل هذهِ الأشياء"
وفــــاتــه
ولأن لكُل شيء نهاية ,جاءت نِهاية الطَبيب والمُفكر والفَيلسوف والأديب الدكتور مُصطفى مَحمود في عام 2009 عن عمر يناهز87 عاماً. وتَم تَشييعه مِن المسجد الذي بناه "مسجد محمود" في حي المهندسين، لُيدفن إلى مَثواه الأخير.
وكانت نهايه رِحله قضاها في العَمل والجُهد والعَطاء في خَدمه الأنسان والعِلم. مُختتما هذهِ الرِحله بأجمل واخر مقوله قالها قبل وفاته رحمه الله، والتي لخصت رِحلته في الدنيا، الرحله الفكرية والتأملية، والتي تمثلت بأنتاجاته العلميه والفلسفية والإبداعية، التي كان هَدفها نشر العلم والتقرب الى الله عزوجل فاختتم حياته وقال:
" أنا رجُل بَدأت الدين مِن أول السطر"
رَحِم الله الدُكتور مُصطفى مَحمود, رمز "الصبر والإصرار والتحدي والإبداع".






