كيف يحدث المد والجزر؟ سر حركة مياه البحار
تستكشف ظاهرة المد والجزر وتبين كيف يؤثر القمر والشمس على ارتفاع وانخفاض مياه البحار والمحيطات، وتوضح كيف يمكن تسخير هذه القوى الطبيعية لتوليد الطاقة النظيفة، مع الحفاظ على البيئة.
هل تساءلت يوماً لماذا يرتفع سطح البحر ثم ينخفض مراراً وتكراراً؟ هذه الظاهرة المعروفة بالمد والجزر تتحكم فيها قوى جبارة تأتي من بعيد. عندما تقف على الشاطئ وتنظر إلى الأمواج، فأنت تشاهد جزءاً من رقصة كونية بين الأرض والقمر والشمس. تتحرك المياه صعوداً وهبوطاً بتناسق مدهش بسبب الجاذبية. في هذا المقال سنصحبك في رحلة ممتعة لفهم المد والجزر وكيف يمكننا تسخير هذه القوة لتوليد الطاقة.
ما هو المد والجزر؟ وكيف يؤثر القمر والشمس؟
المد هو ارتفاع مؤقت في مستوى مياه البحر، والجزر هو انخفاضه. تحدث هذه الحركة بسبب قوة الجاذبية التي يمارسها القمر والشمس على الأرض. القمر قريب جداً من الأرض مقارنة بالشمس، لذا فهو المسؤول الرئيسي عن المد والجزر. يتجذب الماء نحوه، فترتفع المياه في الأماكن المواجهة للقمر وتبتعد المياه في الجهة المقابلة. في الوقت نفسه تعمل الأرض على الدوران، وهذا يجعل المد والجزر يحدثان مرتين تقريباً في اليوم في معظم السواحل. تساهم الشمس كذلك في هذه الظاهرة، فعندما تكون الشمس والقمر والأرض على خط واحد تزداد قوة المد وتسمى هذه الحالة "مد الفيض"، أما عندما تكون الشمس بزاوية قائمة مع القمر والأرض فإن قوة الجاذبية تتعارض ويحدث "مد محاق" أقل قوة.
دوران الأرض حول نفسها يستغرق 24 ساعة، إلا أن القمر يدور حول الأرض خلال 29.5 يوماً تقريباً. لهذا السبب يختلف توقيت المد والجزر يومياً، في كل يوم يتأخر المد حوالي 50 دقيقة عن اليوم السابق. وتختلف أشكال المد والجزر باختلاف شكل السواحل وتضاريس قاع البحر والطقس. في الخليج العربي مثلًا يكون الفرق بين المد والجزر ضئيلاً، بينما في أماكن مثل خليج فوندي في كندا يمكن أن ترتفع المياه لأكثر من 15 متراً.
ظاهرة المد والجزر ليست مجرد حركة مياه بل تمنح الحياة للكثير من الكائنات. عند انخفاض المياه تظهر مساحات واسعة من الطين والرمال تكون موطناً للكائنات الصغيرة كالسلطعون والديدان، وعندما يرتفع الماء توفر هذه المناطق غذاء للأسماك والطيور. كما تعمل حركة المد والجزر على تدوير المغذيات وإيصال الأكسجين إلى البيئة البحرية، وهي جزء من نظام التوازن البيئي على الكوكب.
كيف نحول ظاهرة المد والجزر إلى طاقة؟
إلى جانب جمالها وتأثيرها على البيئة، قد يتساءل الأطفال: هل يمكننا استخدام قوة المد والجزر لتوليد الكهرباء؟ الإجابة نعم. منذ القرن التاسع عشر بدأ البشر في استخدام توربينات تعمل بقوة المياه المتدفقة أثناء المد والجزر. الفكرة بسيطة؛ عند ارتفاع المياه يتم احتجاز كمية كبيرة من ماء البحر في خزانات، وعندما تنخفض المياه يتم إطلاق الماء عبر توربينات، ويدفع تدفق الماء التوربينات لتوليد الطاقة. هذا النوع من الطاقة يسمى "طاقة المد والجزر" وهو مصدر متجدد ونظيف.
توجد محطات كبيرة في مناطق معينة مثل فرنسا وكوريا الجنوبية تستغل فروق ارتفاع المياه لتوليد الكهرباء. ومع ذلك، فإن بناء السدود والتوربينات يحتاج إلى أماكن ذات مد وجزر قوي ويجب أن يراعي البيئة والكائنات البحرية. العلم الحديث يعمل على تطوير تقنيات جديدة تستخدم دوارات ومولدات صغيرة توضع في قاع البحر وتشبه طواحين الهواء تحت الماء، وتولد الكهرباء من حركة المياه نفسها دون الحاجة إلى سدود كبيرة. هذه التكنولوجيا تسمح لنا باستغلال الطاقة دون إلحاق ضرر كبير بالبيئة.
إن فهم المد والجزر لا يقتصر على العلوم الطبيعية فحسب، بل يلهمنا أيضاً للتفكير في العلاقة بين الأرض والقمر والشمس وكيف يمكننا التعايش مع قوى الطبيعة. عندما نعلم الأطفال هذه الحقيقة بطريقة قصصية ممتعة فإننا نفتح لهم أبواباً للتأمل في الكون وإدراك أن كل ظاهرة لها تفسير علمي يمكن استكشافه. في كل مرة ترى فيها أمواج البحر ترتفع وتنخفض، تذكر أنك تشاهد نتاج رقص بين كواكب ونجوم، وأن هذه الحركة البسيطة تحمل في طياتها إمكانية توفير الطاقة لمستقبل أكثر استدامة.






