اضطراب التقدير الذاتي المتقلب: بين تضخم الأنا وانهيارها

تتناول هذه المقالة اضطراب التقدير الذاتي المتقلب الذي يدفع الأنا إلى التناوب بين الشعور بالعظمة والدونية، وتستعرض جذوره النفسية في الشخصية الحدية والنرجسية، وتقترح استراتيجيات علاجية لبناء تقدير ذاتي مستقر وتعاطف داخلي.

اضطراب التقدير الذاتي المتقلب: بين تضخم الأنا وانهيارها
تصميم يصور ميزانًا يميل بين جانبين يحمل أحدهما تاجًا والآخر يذوب، بألوان الأزرق والرمادي والأصفر، يعكس اضطراب التقدير الذاتي المتقلب بين العظمة والانهيار.


في أعماق كل واحد منا ميزان هشّ، يتأرجح بين شعورٍ متضخّم بالقوة وبين خوفٍ خانق من الانهيار. اضطراب التقدير الذاتي المتقلّب لا يشبه التواضع السليم أو الثقة المستقرة، بل هو رحلة نفسية متقلبة بين أقصى النقيضين؛ يوماً ترتدي فيه تاجاً افتراضياً وتشعر أنك أكبر من الحياة، ويوماً آخر تنكمش فيه إلى حجم شعورك بالدونية. هذا التذبذب يستهلك الطاقة العقلية والعاطفية ويترك صاحبه رهينة لمزاجه ولردود فعل الآخرين.

ظهرت فكرة التقدير الذاتي أول مرة في كتابات وليام جيمس وتشارلز هورتون كولي في القرن التاسع عشر، عندما أكدّا أن قيمة الإنسان في عينيه تتشكل من خلال علاقاته بالآخرين وانعكاس المجتمع عليه. هذه الأفكار تطورت لاحقاً في نظريات التعلق ونظريات الشخصية، وأصبحت جزءاً من تفسير اضطرابات الشخصية الحدية والنرجسية؛ حيث ينتقل الفرد بين إحساس بالاستحقاق الكامل وبين شعور بالعار والانهيار. فإذا كان الشخص النرجسي يعتمد على تضخيم ذاته لتجنب مواجهة فراغه الداخلي، فإن الشخص الحدّي يعيش تذبذباً عنيفاً بين الحب والكره، بين القداسة والتحطيم. في الحالتين، يكون مصدر التقدير الذاتي خارجياً ومعتمداً على آراء الآخرين، ما يجعله هشاً وعرضة للتقلب المستمر.

أسباب اضطراب التقدير الذاتي المتقلب متعددة ومعقدة. كثيراً ما تبدأ البذور في الطفولة عندما يختبر الطفل تربية غير متسقة؛ أحياناً يمدح بشدة على إنجازات سطحية، وأحياناً يُنتقد بقسوة على أخطاء بسيطة. في بيئة رقمية تغذيها شبكات التواصل الاجتماعي، يمكن لهذا النمط أن يتفاقم: عدد الإعجابات والمتابعين يتحول إلى مقياس للقيمة الذاتية. الصدمات النفسية مثل الاعتداء أو الإهمال تترك ندوباً تجعل المرء يرى نفسه عديم القيمة تارة، ومستحقاً لكل شيء تارة أخرى كآلية دفاعية. ثقافة الأداء المستمر والنجاح السريع تشجع مقارنة لا تنتهي مع الآخرين، وتجعل الانهيار أمراً محتوماً عند أدنى تعثر.

لكن العلاج لا يكمن في استبدال الإحساس المتضخم بآخر هش، بل في بناء تقدير ذاتي مستدام ومستقر لا يعتمد على الانتصارات العابرة. يمكن للعلاج السلوكي المعرفي أن يساعد الشخص على رصد أفكاره السلبية وتصحيح التشوهات الإدراكية التي تقوده إلى التضخيم أو الانهيار. العلاج بالشفقة الذاتية يعلّم الإنسان أن يكون رحيماً بنفسه، وأن يرى قيمته في كونه إنساناً يخطئ ويصيب، لا في نجاحاته أو علاقاته. ممارسة التأمل والوعي باللحظة الحاضرة تقلّل من التعلّق بالأفكار المتطرفة وتمكن المرء من مراقبة تذبذب مشاعره دون أن يبتلعها. العمل على قيم شخصية جوهرية مثل النزاهة والعطاء والفضول يمنح أساساً داخلياً ثابتاً يستند إليه الفرد عندما تهبّ عواصف النقد أو الثناء.

في النهاية، يعلّمنا اضطراب التقدير الذاتي المتقلّب درساً عن طبيعة النفس البشرية وعن العلاقة بين السلطة والضعف. إن قبول وجود جانب متغطرس وجانب هش في داخلنا هو خطوة نحو الحكمة. عندما نتوقف عن طلب التقدير من الخارج، ونبني قيمتنا على فهمنا العميق لأنفسنا ووعينا بلحظات قوتنا وضعفنا، نصبح أقدر على النمو وعلى حب الآخرين دون الحاجة إلى تحقيرهم أو تشييئهم. عندها يتحول الميزان في داخلنا إلى مركز توازن هادئ، لا تهزه رياح المديح ولا الزهد، بل يقوده بوصلة داخلية مبنية على الإدراك والتعاطف.