الاقتصاد السلوكي: كيف تكشف الانحيازات المعرفية عن طبائعنا الاقتصادية
يتناول هذا المقال مفهوم الاقتصاد السلوكي، وكيف يفسّر القرارات الاقتصادية غير العقلانية عبر فهم الانحيازات المعرفية مثل التحيز للخسارة والانحياز للتوافر، ودور العواطف وتأثير المجتمع في اتخاذ القرارات المالية، مع استعراض نظرية الاحتمالات والحوافز السلوكية.
لطالما افترضت النظريات الاقتصادية الكلاسيكية أن الأفراد يتصرفون بعقلانية تامة، ويحسبون المكاسب والخسائر بدقة متناهية، إلا أن الواقع أثبت أن القرارات الاقتصادية في الغالب نتاج للعواطف والتحيزات أكثر منها للعقل والمنطق.
وهنا يبرز الاقتصاد السلوكي، الذي يجمع بين علم النفس والاقتصاد لفهم كيف ولماذا يتخذ الناس قرارات غير عقلانية في كثير من الأحيان .
يُظهر هذا المجال العلمي مجموعة من الانحيازات المعرفية التي تؤثر في سلوكنا اليومي، مثل:
-
التحيز للتفاؤل: الاعتقاد بأن الأمور ستسير دائمًا على ما يرام.
-
الانحياز للتوافر: الميل إلى اتخاذ الأحكام بناءً على المعلومات التي يسهل تذكرها.
-
انحياز التثبيت: الاعتماد المفرط على معلومة أولية وتجاهل المعلومات اللاحقة.
-
التحيز للخسارة: الميل إلى إعطاء الخسارة وزنًا نفسيًا أكبر من المكسب .
هذه الانحيازات تؤثر في قرارات الاستثمار والاستهلاك والادخار وحتى التعامل مع الديون. وقد شرح ريتشارد ثالر ودانيال كانيمان من خلال نظرية الاحتمالات (Prospect Theory) أن الإنسان يكره الخسارة أكثر مما يحب المكسب، مما يجعله يتجنب المخاطرة حتى عندما تكون احتمالات الربح مرتفعة .
الحوافز، العواطف، وتأثير المجتمع
لا يقتصر الاقتصاد السلوكي على تحليل الانحيازات فحسب، بل يتعمق أيضًا في دراسة العواطف والحوافز والتفاعلات الاجتماعية التي تشكل قراراتنا المالية.
فمشاعر الخوف والقلق قد تدفع المستثمرين إلى البيع في لحظات الذعر المالي، بينما يؤدي الطمع إلى التهور وتحمل مخاطر غير محسوبة في فترات الازدهار .
كما أن تأثير المجتمع أو ما يُعرف بالسلوك القطيعي (Herd Behavior) يجعل الأفراد يقلّدون الآخرين في قرارات الشراء أو البيع دون دراسة شخصية للظروف، ما قد يقودهم إلى نتائج سلبية على المدى الطويل .
ومن هذا الفهم، ظهرت أدوات جديدة مثل التنبيهات السلوكية (Nudges)، وهي تدخلات تهدف إلى توجيه السلوك الإنساني من خلال تعديل طريقة عرض الخيارات، مثل جعل الادخار التلقائي أو الاختيارات الصحية هي الافتراضية. وقد ألهم هذا المفهوم الحكومات والشركات لإعادة تصميم السياسات الاقتصادية والإعلانات بما يقلل من الانحيازات ويحفز القرارات الواعية والمستدامة.
إنسانية القرار الاقتصادي
إن فهم الاقتصاد السلوكي لا يفيد المستثمرين وصناع القرار فحسب، بل يعزز الوعي الفردي أيضًا. فعندما يدرك الإنسان كيف تؤثر العواطف والانحيازات في قراراته، يصبح أكثر قدرة على التفكير المتأني واتخاذ قرارات مالية رشيدة.
وسواء كنت مستثمرًا، أو صاحب عمل، أو فردًا يسعى لتحسين علاقته بالمال، فإن إدراك هذه الآليات النفسية هو الخطوة الأولى نحو فهم أعمق للنفس وللطبيعة البشرية في سلوكها الاقتصادي.
في النهاية، يذكّرنا الاقتصاد السلوكي بأننا لسنا آلات حسابية، بل بشر تحكمنا دوافع وانفعالات معقدة لا يمكن اختزالها في معادلات رياضية، وأن فهم الاقتصاد لا يكتمل إلا بفهم الإنسان ذاته.
الاقتصاد السلوكي في العصر الرقمي
مع تطور التكنولوجيا وازدهار الاقتصاد الرقمي، أخذت مبادئ الاقتصاد السلوكي بعدًا جديدًا أكثر تعقيدًا. فاليوم، لا تُتخذ القرارات الاقتصادية فقط في الأسواق التقليدية، بل داخل العوالم الرقمية التي تُصمَّم عمدًا لاستغلال الانحيازات البشرية.
تستخدم الشركات خوارزميات دقيقة لتحليل السلوك الاستهلاكي وتوجيهه بطرق غير مباشرة. فعندما يتصفح المستخدم متجرًا إلكترونيًا، تُعرض عليه الأسعار والمنتجات بترتيب مدروس يفعّل التحيز للتوافر أو الخوف من فوات الفرصة (FOMO) عبر عبارات مثل "تبقى قطعة واحدة فقط" أو "عُرض لفترة محدودة".
تلك الأساليب لا تختلف كثيرًا عن "التنبيهات السلوكية" التي تحدث عنها الاقتصاديون، لكنها هنا تُستخدم أحيانًا لدفع المستهلك نحو قرارات لا تخدم مصلحته بقدر ما تخدم أهداف الشركات التجارية.
من جهة أخرى، بدأت الحكومات والمؤسسات المالية تستثمر مبادئ الاقتصاد السلوكي بشكل إيجابي لتعزيز الادخار، وتشجيع الالتزام الضريبي، ونشر السلوك المالي المسؤول. فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات أن تغيير طريقة عرض المعلومات في النماذج الحكومية أو الرسائل النصية يمكن أن يرفع نسب الاستجابة بأكثر من 30% دون أي تكلفة إضافية.
وهكذا، يبرهن الاقتصاد السلوكي في زمن الذكاء الاصطناعي أن فهم النفس البشرية لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة إستراتيجية في عالم تُدار فيه القرارات عبر البيانات والانفعالات في آنٍ واحد.
وأضيف أيضًا أن رحلتنا مع الذات ليست خطًّا واحدًا نحو الداخل كما نحب أن نتصورها، بل هي حركة دائمة بين الداخل والخارج.
نكتشف أنفسنا أحيانًا من خلال التجربة، وأحيانًا من خلال انعكاس ما يراه فينا الآخرون. فربّ كلمة نقد أيقظت فينا وعيًا غافلًا، وربّ نظرة ثقة من شخصٍ آخر جعلتنا نؤمن بقدرتنا للمرة الأولى.
لا أعتقد أن الاعتماد على رأي الآخرين يصنع الذات، لكنه يكشف لنا زواياها المخفية.
المهم ألا نضيع في المرايا، بل نستخدمها كنافذة… لا كهوية.






