ماذا تستحق المرأة ولماذا أصبحت النساء تردد الاستحقاق؟

يستكشف هذا المقال مفهوم الاستحقاق من منظور اجتماعي ونفسي، ويحلل الأسباب التي تجعل بعض النساء يطالبن بحقوق أو امتيازات غير مبررة مقابل قيمة ضعيفة يقدمونها في العلاقة. يتناول الجذور الدينية والفلسفية لمعنى الاستحقاق، ويؤكد على أهمية الموازنة بين الحقوق والواجبات لبناء علاقات صحية.

ماذا تستحق المرأة ولماذا أصبحت النساء تردد الاستحقاق؟
عندما تردد بعض النساء أنا أستحق دون النظر للقيمة التي يقدمنها، تصبح العلاقة صفقة خاسرة. الاستحقاق الحقيقي يكمن في التبادل العادل والحب الصادق بين الزوجين. #استحقاق


في السنوات الأخيرة ارتفعت أصوات كثير من النساء في السعودية والعالم العربي وهن يرددن جملة: «أنا أستحق». يبدو للوهلة الأولى وكأن هذا الشعار تعبير عن ثقة بالنفس، لكن خلف الواجهة الزاهية تختبئ مفاهيم مضطربة حول معنى الاستحقاق. هل تطالب المرأة بحقوقها المشروعة أم تعلن مطالب غير متوازنة دون الالتفات لما تقدمه؟

حين نتأمل تاريخ الحقوق نجد أن الكفاح النسوي الحقيقي كان من أجل التعليم والحق في التصويت والعمل، وليس من أجل هدايا أو رحلات. تشير الدراسات إلى أن النساء والرجال شاركوا في أول مؤتمر لحقوق النساء في سينيكا فولز عام 1848 وأن الحركة استلهمت نضال نساء الثورة الفرنسية وحركة الاعتدال والإلغاء. اليوم، تغيرت المعادلة؛ كثير من الأصوات المطالبة بالاستحقاق لا تستند إلى عدم وجود حقوق بل إلى توقعات مادية مفرطة.

هذا التحول يرتبط بانتشار شبكات التواصل و«مدونات التنمية الذاتية» التي تروج لفكرة أن المرأة يجب أن تطالب بما تريد بلا حدود وأن الشريك المثالي هو «الممول» الذي يوفر لها كل شيء. هذه الرسائل تخلق انفصالًا بين ما يطلب وما يقدم. في المقابل، نجد في الأبحاث النفسية مفهوم «التمييز المتعاطف» الذي يجعل بعض الرجال يبدون لطفاء ولكنهم يرسخون تبعية المرأة للرجل باعتباره المعيل والقائد. حين تعتقد المرأة أنها تستحق كل شيء مقابل لا شيء فإنها تقع في فخ أنوثة مهزومة تعتمد على الرجل أكثر مما تعترف.

القيمة المضافة أم الفاتورة المفتوحة؟

في الثقافة السعودية يتضح التناقض بين خطاب الاستحقاق وواقع العلاقات. الرجال مطالبون بتقديم المنزل والسيارة والسفر والهدايا، والمرأة تكتفي بحضورها. ولكن السؤال الأساسي الذي يغيب عن الكثيرات: «ما القيمة التي أضيفها لزوجي؟ هل تعدل ما أطالب به؟». العلاقة الصحية ليست فاتورة مفتوحة وإنما تبادل قيم؛ تقدم فيها المرأة شراكة فكرية وعاطفية ودعماً نفسياً ويحترم فيه الرجل احتياجاتها ويشاركها تحمل المسؤولية.

من منظور إسلامي، العلاقة الزوجية تقوم على السكن والمودة والرحمة: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (النّساء: 19). النص القرآني يجعل العشرة بالمعروف واجباً على الطرفين، كما يحث الرجل على النفقة ويحمل المرأة مسؤولية الرعاية. هذه المعادلة المتوازنة تحترم الفروق بين الجنسين دون أن تمنح أحدهما شيكاً مفتوحاً على حساب الآخر. في التراث الفلسفي نقرأ أن أرسطو رأى أن الفضيلة في الوسط بين الإفراط والتفريط، وهو ما ينطبق على العلاقات؛ فالإفراط في الاستحقاق يؤدي إلى فقدان التقدير، والتفريط فيه يؤدي إلى الظلم.

لماذا يتردد خطاب الاستحقاق؟

هناك أسباب اجتماعية واقتصادية تفسر انتشار خطاب الاستحقاق بين بعض النساء؛ أولها ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الطموحات؛ في مجتمع يربط النجاح بالمال يصبح الرجل القادر على الإنفاق مرادفاً للسعادة. ثانيها تأثير الثقافة الشعبية التي تربط الحب بالهدايا والتسوق. وثالثها سوء فهم رسالة النسوية، إذ تخلط بعض النساء بين المطالبة بالحقوق والمطالبة بالامتيازات. الحركة النسوية وفق تعريفها تهدف إلى إنهاء التمييز وتحقيق المساواة، لكنها لا تدعو إلى الاعتماد المادي المطلق على الرجل.

من الجانب النفسي، يؤدي الشعور بالاستحقاق غير المبرر إلى تآكل العلاقات؛ فالتوقعات غير الواقعية تخلق إحباطاً وصراعاً دائماً. وتشير أبحاث «التمييز العدائي» إلى أن النساء اللواتي يرين الرجل مجرد مصدر دخل يرسخن دوره التقليدي كمعيل متسلط ويجدن أنفسهن في النهاية مقيدات. في المقابل، عندما تدرك المرأة قيمتها الداخلية وتستثمر في تطويرها تصبح شريكة حقيقية، ويقدر الرجل جهودها ويزيد من عطائه.

بين المطالبة والإنصاف

الإنصاف يعني الاعتراف بحقوق الطرفين والتزامهما بواجباتهما. لا عيب في أن تطالب المرأة بحقوقها من نفقة وكرامة واحترام، لكن العيب أن تختزل علاقتها في قائمة مطالب مادية. قيمتكِ لا تقاس بعدد الحقائب الفاخرة بل بقدرتك على بناء بيت يسوده الود والتفاهم، وإيمانك بأن الرجل يحتاج أيضاً إلى دعمك النفسي وأنوثتك وقوتك. السؤال الذي يزعج كثيرات لكنه ضروري: «هل لديكِ قيمة تضيفينها لزوجك تعدل ما تطالبينه به؟». إن كانت الإجابة نعم فمطالبك عادلة، وإن كانت لا فمراجعة الذات أفضل من خسارة شريكك.

في النهاية، الاستحقاق الحقيقي ليس شعاراً، بل التزام متبادلاً. عندما ننتقل من منطق «أستحق كل شيء» إلى منطق «لدي قيمة أقدمها»، سنبني علاقات أكثر توازناً، ونحمي أنفسنا من دوامة الصراع والنهاية المؤلمة.