بين العِلم والمعرفة: مَن أنت كإنسان؟ (الجزء الثالث)

ما ستقرؤه لاحقًا ليس مجرّد خواطر، بل هو أشبه بالدخول إلى جُحر الأرنب والتجوّل في دهاليز أعماقك. فهل أنت مستعدّ أن تنجرف قليلًا أبعد ممّا اعتدت، وأن تسمح لسؤال واحد أن يهزّ الصورة التي كوّنتها عن نفسك طوال السنين؟ مَن أنت حقًّا؟

بين العِلم والمعرفة: مَن أنت كإنسان؟ (الجزء الثالث)


تخيَّل أنك تقف أمام فُوَّهة جحرٍ عميق، لا تستطيع رؤية قاعه. كلُّ خطوةٍ إلى الداخل تعني أنّ ما ستراه لن تستطيع محوه من وعيك بعد ذلك، كأنّك تمضي نحو نقطة اللاعودة؛ لن يكون هناك سبيل للعودة إلى البساطة التي عهدتها عن نفسك بعد أن تنكشف لك الطبقات الخفيّة فيك. ما ستقرؤه لاحقًا ليس مجرّد خواطر، بل هو أشبه بالدخول إلى جُحر الأرنب والتجوّل في دهاليز أعماقك. فهل أنت مستعدّ أن تنجرف قليلًا أبعد ممّا اعتدت، وأن تسمح لسؤال واحد أن يهزّ الصورة التي كوّنتها عن نفسك طوال السنين؟ مَن أنت حقًّا؟

في الجزء الأوّل، حاولنا أن نرسم خطًّا فاصلًا بين العِلم والمعرفة، ثم تعرّفنا معًا إلى المراتب، وانتهينا بسؤال: هل ما نعلمه عن أنفسنا كافٍ لفهم ماهيّتنا، أم أنّه مجرّد معرفة سطحية وظنون؟ في الجزء الثاني، عدنا خطوةً إلى الوراء واتفقنا قبل أن نجيب عن «من أنت؟»، على معنى كلمة «إنسان»، فتجوّلنا بين اشتقاق الكلمة في اللغة العربيّة وصورها في اللغات الأخرى، وتعريفات الفلاسفة، وصورة الإنسان بين الوحي والتراث.

في هذا الجزء، سنجرِّد الإنسان من كلّ ما تعوّدنا عليه، سنخلع عنه يوميّاته، ونمطيّته، وثياب المهنة، والهويّة الاجتماعيّة، والأدوار، لنهبط إلى دهاليز أعماقه، النَّفْس، الفِطْرة، الوعي، لعلّنا نقترب خطوة من إجابة السؤال الأصعب، مَن أنت؟ ولكي نجيب عن هذا السؤال، لا بدّ لنا أن نسأل أوّلًا: من أين جئت؟

القرآن يضعك أمام مشهد حاسم ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ لم يقل: «لم يكن شيئًا» فقط، بل قال «شيئًا مذكورًا»، حتّى العدم، وهو اللاشيء، يظلّ «شيئًا» في الذهن يمكن أن يُذكَر. أمّا أنت، فكنت في لحظةٍ ما أقلّ من أن تُذكَر، لا اسم، ولا صورة، ولا حيثيّة أو سيرة، مجرّد لا شيء.

ثمّ يأتي مشهد آخر، وهو الإعلان عن الإتيان بشيء، بطبيعة الحال مخلوق ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فيتساءل الملائكة بدهشة تعكس تعجّبهم ممّن هذا المخلوق الذي سيَخلُف الخالق – عزّ وجلّ – في أرضه، وخصوصًا في ظلّ سابقةِ فسادٍ وسفكٍ للدماء. لا شكّ أنّ هذا الخليفة ذا مكانة عالية ليحظى بمثل هذه المنزلة الرفيعة، وهذا يتجلّى في تأكيده تعالى على خصوصيّة هذا المخلوق بقوله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

الإنسان لم يأتِ صدفة، ولا لمجرّد أن يكون رقمًا جديدًا في تعداد الكوكب، بل جاء نتيجة إرادةٍ نافذةٍ مطلقة، أن يكون… فكان. من «لا شيء مذكور» إلى مخلوقٍ يُخاطَب، ويُكلَّف، ويُسأل، ويحمل الأمانة. من هنا يبدأ جُحر الأرنب، أنت لست فقط ما ترى الآن في المرآة، بل نتيجة قصّة طويلة وسيناريو مُحكَم بدأ بإرادةٍ إلهيّة، وانتهى إلى تكوينٍ شديد التعقيد. هنا سنتعرّف على الإنسان من حيث علم النفس القديم والحديث، والفِطرة، والوعي كما يناقشه الفلاسفة والعلماء. وسنلاحظ أمراً مهمًّا في المسميّات، النَّفْس البشريّة، فِطرة الإنسان، والوعي الذي يتفرّد به كلّ فرد. ثم نجمع هذه الخيوط لنكشف في نهاية الأمر جزءًا من عظمة خَلقك، رغم كلّ ما فيك من تناقض وتعقيد.

بين الغريزة والمعنى، ومن اللوم إلى الطمأنينة

لماذا نقول غالبًا «النفس البشريّة»؟ الاقتران هنا مقصود، لأنّ النفس – بما انها بشريّة – مشحونةٌ بغرائز، وشهوات، ورغبات، ونزوعٍ للسيطرة، وخوفٍ من الفناء والخسارة. في القرآن نقرأ عن النفس الأمّارة بالسوء التي تنجذب للهوى وتندفع بلا رادع، والنفس اللوّامة التي تستيقظ فيها رقابة الضمير فتُحاسِب وتندم، والنفس المطمئنّة التي تصل إلى حالة من التصالح الذاتي والسَّكينة مع الله. هذه المراتب ليست ثلاث نُسَخ مختلفة من «أنفس أخرى»، بل ثلاث حالات يمكن أن يتقلّب فيها قلبك في اليوم الواحد.

في علم النفس الحديث – من فرويد إلى روّاد التحليل النفسي – ظهرت تقسيمات أخرى، الهو (Id): مستودع الدوافع والغرائز.
الأنا الأعلى (Superego): الضمير والمعايير الخارجيّة من عاداتٍ وتقاليد، الأنا (Ego): الذات التي تحاول التوفيق بين الشهوات والقيم. و غالباً حين تفشل الأنا في إدارة هذا التوتّر، تقع في فخّ الهوى – هوى النفس – كما في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، فتكون النتيجة القاسية في نماذج مثل ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾،﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾.

رغم اختلاف المنطلق، نرى رابطًا مشتركًا النفس البشريّة في شدٍّ وجذبٍ دائم بين دوافع متعارضة تهدف إلى إثبات الذات، وليست لوحةً نقيّة ثابتة. لهذا تُوصَف هذه النفس بكونها «بشريّة»؛ تحمل في ظاهرها جانبًا يبدو – لو تُرِكَ بلا تهذيب – حيوانيًّا يطلب الأكل، والجنس، والأمان، والسلطة، والنفوذ، والقوّة، والاعتراف، والتأييد… لكنّها في الوقت ذاته قادرة على الصوم، والعِفّة، والتضحية، والتواضع. هذا التوتّر هو ما يصنع إنسانيّتك، ولا ينفيها.

بين الأصل والنسيان، ومن الطَّمس إلى النقاء

على عكس «النفس البشريّة» المتقلّبة، تأتي الفِطْرة كبطانةٍ عميقةٍ مشتركةٍ بين البشر ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
لاحظ هنا كلمة «النّاس» تعني الناس جميعهم. الفِطرة هي ذلك المحرّك الداخلي الذي يحرّك استعدادك لمعرفة ربّك، هي الميل الفطريّ للخير، والحقّ، والجمال، وذلك قبل أن تُشوّهها التربية، أو تطمسها طبقاتٌ من العادات والضغوط.

من زاويةٍ علميّة، يمكن أن نقارب الفطرة مع الاستعدادات الموروثة (Innate Dispositions)، ومع ما رصده علماء النفس التطوّري من أنّ الطفل – قبل أن يتعلّم اللغة – يظهر استجابةً إيجابيّةً لمن يعامل الآخرين بإنصاف، واستنكارًا لمن يَظلم أو يغشّ. إذًا، الفطرة هي «النواة» التي فُطِر عليها الإنسان. الفطرة قد تُطمَس، لكن يصعب محوها، قد تُغطَّى بطبقات من الطبع والروتين، لكنّها تظلّ قادرةً على أن تُوقِظك حين تسمع الحقّ بصدق، أو ترى ظلمًا صارخًا، أو تقف أمام مشهد كونٍ يذكّرك بأنّك لم تأتِ من نفسك ولا صدفة.

بين الحضور والغفلة، ومن الملاحظة إلى الاختيار

الوعي هو أن تنتقل من «التلقائيّة» إلى الحضور والانتباه وفهم ما يدور في داخلك وخارجك، فتتحوّل من مجرّد مندفعٍ وراء مشاعرك وعاداتك إلى إنسانٍ يلاحظ… ثم يختار ويقرّر بوعي. لكن كيف لكلمةٍ مشتقّة من الفعل الثلاثي «وَعَى – يَعِي – وَعْيًا»، وأصلها يدلّ على جمع الشيء وحفظه في وعاء، أن تحوي كلّ هذا الاتّساع؟ أليس من المنطقي أن تُوحي باحتواء كلِّ ما هو ماديّ وملموس، ما دام معناها الأصلي هو الاحتواء والحفظ؟ غير أنّها، في عمقها، تسكن داخلك أنت، وتتّسع لتضمّ عالمك كلَّه كما عشته وتراه من زاويتك أنت.

لغويًّا، «الوعي» في اللغة العربيّة يعني الحفظ، والفهم العميق، والإدراك، والاستيعاب، ثمّ توسّع معناه ليشمل إدراك الذات والمحيط. علميًّا وفلسفيًّا، الوعي (Consciousness) هو التجربة الذاتيّة الحيّة: أن تشعر، وأن تدرك أنّك تشعر، وأن تستطيع أن تقول: «أنا أدرك ما أشعر به وما أفكّر فيه في هذه اللحظة، بدل الانسياق دون انتباه و الإندفاع وراء المشاعر ».

هذا «الوعي بالذات» هو الذي يجعل الألم ليس مجرّد إشارةٍ عصبيّة، بل معنى وخبرةً وأثرًا، ويجعل الخطأ ليس حركةً عشوائيّة، بل شيئًا يمكن الاعتذار عنه أو العدول عنه وتصحيحه. وعلى الرغم من أنّ قاعدته البيولوجيّة مشتركة (الدماغ البشري)، إلّا أنّ ما يجعل الوعي متفرّدًا هو أنّه شخصيٌّ جدًّا، لا يمكن لأحدٍ أن يدخل رأسك ليرى ويدرك العالم من منظورك أنت. فتجربته تختلف من شخصٍ لآخر، حتّى لو عاشا في الظروف نفسها.

العلوم العصبيّة اليوم تحاول أن تُفسِّر الوعي بنظريّات مثل «الحيّز العالمي» Global Workspace Theory (GWT) أو «المعلومات المتكاملة» Integrated Information Theory (IIT) ، لكنّها – إلى الآن – لم تستطع أن تحوّله إلى معادلة مكتملة. فيبقى الوعي أحد أعظم الألغاز التي تبزغ من أعماقك سائلًا: مَن أنا؟ ولماذا أنا هنا؟

كيف تجتمع النفس والفطرة والوعي في «مخلوقٍ واحد»؟

ألا ترى أنّ في هذا تفضيلًا وتميّزًا اختُصَّ به الإنسان وحده؟

ولتقريب الصورة، تخيَّل حاسِبًا آليًّا، الفِطرة أشبه بنظام التشغيل الأصلي الذي وُضع في الجهاز من البداية، يحدِّد الإطار العام للإمكانات والاتجاه الذي صُمِّم من أجله. النَّفْس هي مجموع البرامج والملفّات والبيانات التي تُثبَّت وتُضاف مع الوقت، تربية، تجارب، عادات، صدمات، واختيارات يوميّة، منها ما يُحسِّن أداء الجهاز، ومنها ما يُبطِّئه أو يفسده. أمّا الوعي فهو ما يجري معالجته فعليًّا بواسطة المعالج وذاكرة الوصول العشوائي، أي محتوى التجربة الحاضرة التي تراها وتشعر بها وتنتبه لها الآن. هذا التداخل بين نظامٍ أصيلٍ ثابت، وطبقاتٍ مكتسَبةٍ متغيّرة، وتجربةٍ واعيةٍ لحظيّة تراقب وتختار، هو ما يجعل تكوين الإنسان حالةً فريدة لا يشبهها مجرّد جهاز أو برنامج.

في الفلسفة القديمة، تحدّث أفلاطون عن النفس كعربةٍ يجرّها حصانان متناقضان، يسعى السائق (العقل) لضبطهما. وتحدّث الغزالي وابن القيّم عن صراع القلب بين نداء الملَك ونداء الشيطان، وعن تزكية النفس أو تدسيتها. وفي علم النفس الحديث، نرى حديثًا عن الدوافع واللاوعي، والعقل الواعي والعقل الباطن، و«الأنا الحقيقيّة» و«الأنا المزيّفة»… المعاني كلّها – رغم اختلاف اللغة – تدور في فلك الفكرة نفسها.

في داخلك أصلٌ نقيّ (فِطرة)، ونفسٌ بشريّةٌ متطلِّبةٌ ومتقلّبة، ووعي يمكن أن يكون غافلًا، أو يقظًا، أو متواطئًا، أو شاهدًا صادقًا. الإنسان الحقّ يبدأ حين يتحالف وعيُه مع فطرته، ليهذّب نفسه ويقودها بدل أن تُسيطر هي عليه.

من هنا يمكن أن نرجع بك إلى اللقطة الأولى في قصّتك: من «لا شيء يُذكَر» إلى كيانٍ يتكوّن عضوًا بعد عضوٍ في رحم الأم، قلبًا يخفق، وعينًا تتشكّل، وروحًا نفخت فيك بأمره سبحانه. في تلك المرحلة كان كلّ معنى وجودك معلّقًا بخيطٍ واحدٍ رفيع، الحبل السُّرِّي. ولو انقطع، فلن تتأثّر الأمّ كثيرًا، لكن حياتك أنت كإنسان ستنتهي قبل أن تبدأ، لأنّ كلّ أسباب بقائك كانت تأتيك عبر ذلك الارتباط الخفيّ. في الدنيا يتغيّر المشهد، لكنّ المعنى يبقى كما هو، أنت لا تكتمل إنسانًا إلّا إذا حافَظت على «حبلٍ» آخر يربطك بمصدر وجودك، بخالقك وصانعك، عبر الفطرة المحفوظة. كما أنّ الجنين بلا حبلٍ سرّي لا يعيش، كذلك قلب الإنسان بلا صِلَةٍ بربّه يفقد روحه قبل أن يفقد جسده، ويخبو جوهر إنسانيّته، مهما بدا في الخارج ناجحًا أو لامعًا.

عظمة التكوين… من جُحر الأرنب إلى آية ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

بعد هذا الهبوط، قد يراودك شعوران متناقضان: شعورٌ بالدهشة ، كم نحن معقّدون! وشعورٌ بالتيه، كم نحن مُحكَمون ومقصودون! القرآن يلخّص هذه الدهشة في آيتين متجاورتين في المعنى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. «أحسن تقويم» لا تعني سهولةً وبساطة، بل إتقانًا في التوازن بين عناصر كثيرة: جسدٌ من طين، ونفسٌ بشريّة تحمل الغرائز والشهوات، وفِطرةٌ تنجذب إلى الحقّ والخير، ووعيٌ قادرٌ على أن يشهد على هذا كلّه ويختار. كلّ هذا تحت مظلّة قوله تعالى ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾.

هكذا تصبح إنسانيّتك مزيجًا عجيبًا بين الهشاشة والقوّة، والغريزة والمعنى، والطين والنفخة، والأرض والسماء. ربما لن نصل – في هذه الحياة – إلى «عِلم اليقين» الكامل بكلّ ما نحن عليه، لكنّ مجرّد أن نجرؤ على النزول في هذا الجُحر، وأن ننظر إلى النفس والفطرة والوعي كشبكةٍ واحدةٍ متداخلة، يجعلنا أكثر تواضعًا، وأكثر امتنانًا، وأكثر حرصًا على أن نكون – قدر المستطاع – على قدر هذا التكوين العجيب.

في الأجزاء السابقة حاولنا أن نعيد ترتيب علاقتك بالمعرفة والعِلم والإنسان، وفي هذا الجزء فتحنا الملفّ الداخلي للنَّفْس والفِطرة والوعي. ربما يكون السؤال القادم: ماذا يعني أن تعيش «إنسانًا» في ضوء هذه الخريطة؟ وكيف تُترجِم هذا الفهم إلى خياراتٍ يوميّة… بعقلك، وقلبك معًا؟

هذا ما يمكن أن يكون موضوع سردابٍ جديدٍ داخل جُحر الأرنب… إن قرّرت أن تُكمِل النزول.