لماذا على الأزواج التفاعل بشكل أكبر عند سماع أخبار جيدة على عكس السيئة

يُظهر البحث النفسي أن كيفية تفاعل الأزواج مع الأخبار السارة تؤثر بعمق في جودة العلاقة. الاستجابة الداعمة للنجاحات المشتركة تعزز الثقة المتبادلة وتبني رابطة قوية، بينما التركيز على الأخبار السيئة فقط يخلق جوًا من التوتر والاستنزاف. يستكشف المقال أهمية الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة والكبيرة ودور هذا السلوك في تحسين الصحة النفسية للطرفين واستقرار الزواج.

لماذا على الأزواج التفاعل بشكل أكبر عند سماع أخبار جيدة على عكس السيئة
الاحتفاء بالأخبار الجيدة بين الزوجين يقوي روابطهما ويعزز الثقة والدعم. بدل التركيز على السلبية، شارك شريكك فرحته لتوسيع التواصل وتحقيق التوازن النفسي.


تتحدث الأحاديث اليومية في مجتمعنا عن الخيبات والأزمات أكثر مما تتحدث عن النجاحات الصغيرة أو الإنجازات الشخصية. يسارع الأزواج إلى تبادل الشكوى عندما يحدث أمر سيء، لكنهم يترددون عند مشاركة الأخبار الجيدة. هذه المفارقة ترسخ بيئة مشحونة حيث يصبح التذمر عادة والتشاؤم طبيعة. إن التعاطف مع الألم ضرورة، لكن احتفاءنا بالفرح يظل ناقصاً. المرأة والرجل كلاهما يحتاج إلى فهم أن التفاعل مع الأخبار الجيدة يقوي الروابط، ويرفع الثقة، ويعيد التوازن في العلاقة بحيث لا يشعر أحد الطرفين بأنه مجرد مصدر للدعم المادي أو الحلول السريعة.

أثر الاحتفاء بالأنباء الجيدة

تؤكد الدراسات السيكولوجية أن رد الفعل الإيجابي تجاه نجاحات الشريك يسهم في تقوية العلاقة أكثر من التعاطف عند الأزمات. عندما يشارك الزوج زوجته خبراً جيداً – ترقية، إنجاز في العمل، أو حتى نجاح أبنائهما – وينتظر ابتسامة حقيقية أو كلمة تشجيع، فهو يدعوها إلى المشاركة في فرحته. هذه اللحظات الصغيرة تخلق شعوراً بالاحتواء والشراكة. وفي المقابل، عندما تخبر المرأة زوجها عن تقدمها في مشروع أو نجاحها في تنظيم المنزل أو تربيتها للأبناء، فإن رد فعله الإيجابي يشجعها على الاستمرار ويثبت لها أن قيمتها لا تُقاس بما تتلقاه فقط، بل بما تضيفه هي أيضاً.

الاحتفال بالنجاح لا يعني مبالغة سطحية، بل إظهار اهتمام حقيقي واستعداد للاستماع إلى التفاصيل الجميلة. في علم النفس تُسمى هذه الاستجابة «المشاركة النشطة البناءة»، وهي تبني ثقة متبادلة لأن الطرف الذي يروي قصته يشعر بأن الشريك يقدره ويسعد لسعادته. ولهذا تأثير مباشر على الصحة النفسية، إذ يخفف من مستويات القلق ويعزز الشعور بالاطمئنان.

التفاعل مع الأخبار السيئة ومشاكله

التركيز المفرط على المشاكل يجعل العلاقة مسرحاً للهموم. عندما يكون التواصل بين الزوجين قائماً على الشكوى، يشعر الرجل بعبء لا ينتهي، وتشعر المرأة أن وجوده في حياتها وظيفة لإصلاح الأزمات. الاختلافات بين الجنسين في التعبير العاطفي تزيد سوء التفاهم: فالمرأة غالباً ما تحتاج إلى من يصغي، بينما الرجل يفكر في الحلول العملية وربما يفوته تقديم الدعم اللفظي الذي تحتاجه هي. وهنا يبدأ الخلل؛ إذ يبدأ كل طرف في تكديس قائمة من الاستحقاقات على الآخر دون النظر إلى القيمة المتبادلة.

من المهم إدراك أن التركيز على الأخبار السيئة لا يمنح المرأة أو الرجل امتيازات إضافية. فعندما يبالغ الشريك في ترديد مشاكله، يصبح الطرف الآخر مشغولاً بإدارة الأزمات أكثر من مشاركة الحياة. السؤال العادل الذي تطرحه الكثير من الزوجات: «هل لديك قيمة تضيفينها لزوجك تعدل ما تطالبينه منه؟» ينطبق هنا أيضاً: هل يضيف كلا الزوجين قيمة إيجابية عندما يتبادلان الأخبار، أم أن الأمر يتحول إلى استنزاف؟

أهمية الاحتفاء بالقيمة

يعتقد البعض أن الرجل أقل ميلًا للاحتفاء بالنجاحات مقارنة بالمرأة، لكن الحقيقة أن الرجال أيضاً يحتاجون إلى دعم معنوي. التقدير اللفظي والاحتفاء بجهود الزوج يعيد إليه الطاقة ويوجه اهتمامه نحو أسرته. في المقابل، تحتاج المرأة إلى تقدير جهدها في بناء البيت وتربية الأبناء أو عملها خارج المنزل. فلسفة الأدوار العادلة تقضي بأن يُبادر كل طرف إلى الاعتراف بفضل الآخر، وألا ينتظر حتى تحدث أزمة كي يلتفت إلى شريكه.

في التراث الإسلامي والعربي قصص كثيرة عن زوجات كنّ يشاركن أزواجهن أفراحهن ويغرسن فيهن الثقة، وعن رجال كانوا يثنون على زوجاتهن في العلن والسر. هذه السيرة تجعلنا نفهم أن الاحتفاء ليس ترفاً بل قيمة دينية واجتماعية. كما تشير الدراسات الحديثة إلى أن الأزواج الذين يتبادلون التهاني في اللحظات السعيدة يواجهون الخلافات لاحقاً بمرونة أكبر لأن لديهم رصيداً من الذكريات الإيجابية.

كيف يوازن الزوجان بين الدعم والاحتفاء؟

التوازن هو كلمة السر. يجب أن يكون هناك وقت للتعاطف مع الصعوبات، ووقت آخر للاحتفال بالإنجازات. يمكن للزوجة أن تقول لزوجها عندما يعود من العمل بنجاح: «أنا فخورة بك، هذا نتيجة مثابرتك»، ويمكن له أن يقول لها عندما تنجح في إدارة منزلهم: «عملك مهم ويجعل حياتنا أفضل». الأهم أن يكون الاحتفاء صادقاً وغير مصطنع، وأن يبتعد الطرفان عن التنافس حول من يعاني أكثر. بذلك يتحول الحديث من سرد للمعاناة إلى مشاركة للفرح والدعم، مما يخلق بيئة منزلية صحية.

كما أن البعد الفلسفي يدعو إلى الاستفادة من النجاحات الصغيرة في بناء معنى للحياة. الإنسان بحاجة إلى الاعتراف بقيمة جهده، وإلى الشعور بأن شريكه يستمع إليه وينصت لما وراء الكلمات. عندما تُقابل الأخبار الجيدة بفتور أو صمت، تترسخ رسالة سلبية مفادها أن النجاح لا يهم. أما الاستجابة البناءة فتقول: «نجاحك نجاحنا».

التفاعل مع الأخبار الجيدة أكثر أهمية مما نعتقد، لأنه يشكل أساساً لعلاقة صحية ومتوازنة. الأزواج الذين يختارون مشاركة الأفراح كما يشاركون الأحزان يبنون جسوراً من الثقة والاحترام المتبادل. بدلاً من حصر الحديث في الأزمات، يمكننا تحويل حياتنا اليومية إلى سلسلة من الاحتفالات الصغيرة التي تذكرنا بقيمة كل منا في حياة الآخر. والسؤال الذي يبقى: هل نحتفل بما يقدمه شريكنا كما نلومه على إخفاقاته؟ الإجابة على هذا السؤال ترسم ملامح علاقة إما أن تزدهر أو تتآكل.