النقطة العمياء في تطوير التعليم: دور الاسرة والمجتمع في نجاح المدرسة

اصلاح التعليم لا يكتمل داخل المدرسة وحدها. يناقش المقال دور الاسرة والمجتمع في تشكيل الطالب، واهمية التنشئة والقيم والانضباط والاستخدام الرقمي في تحسين نواتج التعليم وبناء الانسان.

النقطة العمياء في تطوير التعليم: دور الاسرة والمجتمع في نجاح المدرسة


في قيادة السيارة، ثمة مساحة صغيرة لا تكشفها المرآة مهما كان السائق يقظا، ومهما احسن ضبط مراياه. لا يتعمد تجاهلها، ولا يغفل عنها تقصيرا، لكنها تقع ببساطة خارج مجال رؤيته. وقد تكون هذه المساحة الصغيرة، على ضيقها، اخطر من مساحات واسعة يراها بوضوح، لان ما لا نراه قد يكون احيانا اشد تاثيرا مما نراه.

لهذا سميت: النقطة العمياء.

ولعل في هذا المفهوم ما يستحق ان نستعيره حين نتامل واقع التعليم، لا بحثا عن جهة نحملها مسؤولية التعثر، ولا تقليلا من حجم الجهود المبذولة، وانما بحثا عن جزء مؤثر في المشهد قد لا يظهر كاملا في مرآة الاصلاح التعليمي.

واحسب ان المجتمع، وفي قلبه الاسرة، يمثل احدى اهم النقاط العمياء في معادلة تطوير التعليم.

حين تتطور المدرسة ولا تتطور البيئة المحيطة بها بالقدر نفسه

شهد التعليم تحولات واسعة في المناهج، واستراتيجيات التعليم والتعلم، ونماذج الاشراف، وتمكين المدرسة، ومنظومات الدعم والمساندة، ورفع كفاءة المعلم والقيادة المدرسية، وتحسين نواتج التعلم، والاستفادة من التقنية والبيانات والمؤشرات.

وهي جهود مؤسسية كبيرة تعكس ما توليه الدولة من عناية بالتعليم بوصفه استثمارا في الانسان والمستقبل.

لكن هناك سؤالا يستحق ان يكون حاضرا في نقاشنا حول تطوير التعليم:

هل تستطيع المدرسة، مهما تطورت، ان تحقق كامل اهدافها اذا كانت البيئة الاجتماعية المحيطة بالطالب لا تتحرك معها في الاتجاه نفسه؟

هنا تظهر النقطة العمياء.

فقد نطور المناهج، ونرفع كفاءة المعلمين، ونغير نماذج الاشراف، ونمنح المدارس مساحة اكبر من التمكين، ونبني منظومات متقدمة للدعم والمساندة، ثم نستمر في البحث عن تفسير للفجوة بين حجم الجهد المبذول وحجم الاثر المتحقق.

وربما لا تكون المشكلة في كل مرة داخل المدرسة.

ربما نحتاج ايضا الى النظر فيما يحدث للطالب بعد ان يغادر بوابتها.

الطالب لا تصنعه المدرسة وحدها

من الافكار التي ترسخت في الوعي الاجتماعي ان التعليم مسؤولية المؤسسة التعليمية وحدها، وان الاسرة تسلم ابنها للمدرسة صباحا ثم تنتظر منها ان تعيده متعلما، منضبطا، قارئا، مسؤولا، متحفزا، وقادرا على ادارة نفسه ومستقبله.

وهذا تحميل للمدرسة بما لا تستطيع اي مؤسسة تعليمية ان تنفرد به.

فالطالب يقضي جزءا من يومه في المدرسة، لكنه يقضي بقية يومه داخل منظومة شديدة التاثير: الاسرة، والاصدقاء، والهاتف، ومنصات التواصل، والمحتوى الرقمي، والمؤثرون، والالعاب، وانماط الحياة الجديدة.

وكل عنصر من هذه العناصر يمارس شكلا من اشكال التربية الموازية.

ولهذا لم يعد السؤال فقط: من يعلم ابناءنا؟

السؤال الاوسع هو: من يشكلهم؟

المدرسة التي تراهم ساعات محدودة، ام الشاشة التي ترافقهم معظم ساعات يومهم؟

المنهج الذي يقرؤونه، ام آلاف الرسائل والصور والمقاطع التي تعبر امامهم كل اسبوع؟

المدرسة التي تحاول غرس الصبر والانضباط والمثابرة، ام بيئة رقمية يقوم جانب كبير منها على السرعة، والاشباع الفوري، والمكافاة العاجلة؟

هذه ليست منافسة عادلة اذا تركت المدرسة تخوضها وحدها.

قبل التعليم تاتي التنشئة

وهنا تبرز مسؤولية اعمق من متابعة الواجبات والدرجات: التنشئة.

فالطفل قبل ان يكون طالبا هو انسان تتشكل عقيدته وقيمه ونظرته الى نفسه والحياة. ومن اعظم ما تقدمه الاسرة لابنائها ان تنشئهم على العقيدة الاسلامية السليمة، ومراقبة الله، والصدق والامانة، وبر الوالدين، واحترام الاخرين، وتحمل المسؤولية، والاحسان في العمل.

وحين تستقر هذه المعاني في نفس الطفل، لا تبدأ المدرسة معه من الصفر، وانما تجد ارضا صالحة يمكن ان تبني عليها العلم والمعرفة والسلوك.

والتربية في التصور الاسلامي لا تقوم على التوجيه وحده، فهي قدوة ودعاء وصحبة. فالابن الذي يرى الصدق والانضباط واحترام العلم في والديه يتعلمها قبل ان تشرح له، ودعاء الوالدين لابنائهم بالصلاح والهداية والتوفيق ركيزة عظيمة ينبغي الا تغيب وسط انشغالنا بالاسباب المادية للتفوق.

وقد جمع القرآن بين صلاح الوالدين والدعاء للذرية في قول الله تعالى:

رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه واصلح لي في ذريتي.

نحتاج الى استعادة معنى قديم وعظيم: صلاح الابناء مشروع تربية، وليس مشروع دراسة فقط.

الاسرة ليست عاملا مساعدا

حين نتحدث عن مشاركة الاسرة في التعليم، كثيرا ما نحصرها في حضور اجتماع، او متابعة اشعار، او الدخول الى منصة، او الاستجابة لاتصال من المدرسة.

لكن دور الاسرة اكبر بكثير من ذلك.

فالاسرة تحدد، بقصد او بغير قصد، قيمة المدرسة في وجدان الطفل، ومكانة المعلم في نفسه، وعلاقته بالكتاب، واحترامه للوقت، واستعداده لبذل الجهد، وقدرته على تحمل المسؤولية.

المدرسة تستطيع ان تعلم الطفل القراءة، لكن يصعب عليها ان تجعل منه قارئا اذا لم ير للكتاب قيمة في محيطه.

وتستطيع ان تحدثه عن المسؤولية، لكن اثر هذا الحديث يضعف اذا كانت جميع مسؤولياته تؤدى عنه.

وتستطيع ان تغرس احترام النظام، لكن الرسالة تضطرب عندما يرى في حياته اليومية ان الانظمة يمكن تجاوزها متى كان ذلك ممكنا.

فالطفل لا يتعلم مما نقوله له فقط.

يتعلم ايضا مما يرانا نفعله.

ولهذا قد تهدم ممارسة يومية صغيرة في المنزل ما تحاول المدرسة بناءه طوال اسابيع.

ليس كل ما يظهر في المدرسة سببه المدرسة

ربما تكون هذه العبارة مفتاح القضية كلها.

فخلف ضعف التحصيل قد يوجد ضعف في الدافعية.

وخلف ضعف الدافعية قد يوجد نمط حياة لا يساعد على التعلم.

وخلف تراجع التركيز قد توجد ساعات طويلة امام الاجهزة وقلة في النوم.

وخلف الغياب والتاخر قد توجد اسرة لا ترى الانتظام الدراسي اولوية كافية.

وخلف ضعف القراءة قد يوجد منزل لم تعد القراءة جزءا من حياته اليومية.

فالمدرسة قد تكون المكان الذي تظهر فيه المشكلة، لا المكان الذي نشات فيه.

وهذا التفريق بالغ الاهمية، لان الخطا في تحديد مصدر المشكلة يقود بالضرورة الى استنزاف الجهد في حلول تعالج العرض وتترك السبب.

واذا كانت بعض تحديات التعليم اجتماعية وتربوية في اصلها، فلن يكون الحل المدرسي وحده كافيا مهما بلغت جودته.

من تطوير المدرسة الى بناء مجتمع تربوي

المقصود هنا ليس اعفاء المدرسة من مسؤوليتها، ولا نقل العبء من المدرسة الى الاسرة، ولا الدخول في دائرة جديدة من تبادل اللوم.

المطلوب هو توسيع دائرة المسؤولية.

فالتعليم مشروع دولة، والتربية مشروع مجتمع.

ومن هنا ينبغي ان تصبح الشراكة مع الاسرة جزءا اصيلا من مشروع تحسين التعليم، لا نشاطا جانبيا مرتبطا باجتماعات اولياء الامور او المشكلات السلوكية.

نحتاج الى برامج عملية تساعد الاسر على بناء عادة القراءة، وتنظيم استخدام الاجهزة، ورفع دافعية الابناء، وتعزيز الانضباط، وترسيخ القيم، وفهم التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الجيل الجديد.

كما نحتاج الى اعادة تعريف العلاقة بين المدرسة وولي الامر، بحيث لا تبدأ عند حدوث المشكلة، ولا تقتصر على التحصيل والغياب، وانما تمتد الى بناء شخصية الطالب وعاداته وقيمه واستعداده للتعلم.

ومن المهم كذلك ان ننظر الى الاستخدام الرقمي لدى الاطفال والناشئة باعتباره قضية تربوية مجتمعية، وليس مشكلة تستطيع المدرسة وحدها علاجها.

نحن بحاجة الى مرآة اضافية

في السيارات الحديثة لم يعالج خطر النقطة العمياء بالغاء المرآة القديمة، ولا باتهام السائق بالتقصير. عولجت المشكلة باضافة وسائل جديدة للرؤية: حساسات، وكاميرات، وانظمة تنبيه تكشف ما لم يكن ظاهرا.

وهذا ما نحتاج اليه في التعليم.

لا نحتاج الى التقليل من قيمة الاصلاحات القائمة، وانما الى توسيع مجال الرؤية.

لنستمر في تطوير المناهج والمعلمين والمدارس والتقويم والاشراف والتقنية، وفي الوقت نفسه نعيد للاسرة دورها التربوي الذي يعود بالنفع عليها وعلى ابنائها وعلى المجتمع كله.

فالطالب لا يدخل فصله صفحة بيضاء كل صباح.

يدخل حاملا معه عقيدته وقيمه، وعاداته، وساعات نومه، وهاتفه، وما شاهده بالامس، وما يسمعه في منزله، ونظرته الى معلمه، وموقف اسرته من التعليم، وطموحه، والصورة التي رسمها المجتمع في ذهنه عن النجاح والحياة.

كل ذلك يدخل الفصل معه، حتى وان لم يظهر في كشف الحضور.

ولهذا فان السؤال في المرحلة المقبلة لا ينبغي ان يكون فقط:

كيف نطور المدرسة؟

علينا ان نضيف اليه سؤالا اشمل:

كيف نبني اسرة ومجتمعا يساعدان المدرسة على النجاح؟

فالنقطة العمياء لا تعني ان السائق اخطا الطريق، وانما تعني ان هناك مساحة مؤثرة لا تكفي المرآة الحالية لرؤيتها.

وحين نوسع مجال الرؤية، وننظر الى الطفل كاملا لا الى الطالب وحده، والى يومه كله لا الى ساعاته الدراسية فقط، ونجمع بين جودة التربية وجودة التعليم، تتحول الاسرة من متابع خارجي الى شريك حقيقي، وتتحرك المدرسة والاسرة والمجتمع نحو غاية واحدة.

فصلاح التعليم لا تصنعه مدرسة ناجحة وحدها.

تصنعه مدرسة ناجحة، واسرة واعية، ومجتمع يدرك ان بناء الانسان يبدأ قبل باب المدرسة، ويستمر طويلا بعد ان يغادره.