الأتاركسيا الأبيقورية: راديكالية السلام الداخلي في عالم مليء بالصخب

عصرنا اليوم متسم بالركض المستمر وصخب الاشعارات الرقمية والمقارنات الاجتماعية التي لاتنتهي . في هذا العالم الفوضوي المزدحم اصبح القلق منتشراً وعصريا, مما يجعلنا في امس الحاجة إلى ترياق يعيد لقلوبنا وعقولنا السكينة. هذا الترياق ليس اختراعاً حديثاً , بل هو مفهموم فلسفي يوناني قديم يعرف بالـ"الأتاراكسيا", وتحديدا الأتاركسيا الأبيقورية التي صاغها الفيلسوف ابيقور ووصفها كحالة من السكينة والطمأنينة المطلقة وخلو النفس من الاضطرابات والمخاوف.

الأتاركسيا الأبيقورية: راديكالية السلام الداخلي في عالم مليء بالصخب


يُشتق مصطلح "أتاراكسيا" من الكلمتين اليونانيتين "أ" وتعني بدون , و"تاركسيس" وتعني اضطراب أو فوضى. وتعني حرفيا " بدون اضطراب"، ويتجاوز استخدامها في السياقات الفلسفية الكلاسيكية من مجرد غياب الاضطراب ليشمل حالة ذهنية متزنة من السكينة. 

الاتاركسيا هي حالة تتميز بالتحرر من الضيق والقلق. انها ذهنية تُختبر وتنمو داخليا للوصول لحالة السكينة. تأثيرها أشبه بدواء بطيء يؤدي مفعوله على مدى ايام واسابيع , وتحقيقها  يخلق توازناً عاطفياً، حيث لايقتصر التأثير على استقرار الحالة المزاجية فحسب بل يمتد ليشمل المحيطين. لأنه اذا كان الإنسان أكثر هدوءاً ، فستقل احتمالية فعله وانفعاله وبالتالي لن يتجنب فساد يومه فحسب ، بل سيتجنب إفساد يوم الآخرين. 

تحتل الأتاركسيا مكانة مركزية في الانظمة الاخلاقية للعديد من المدارس الفلسفية الكلاسيكية، ولاسيما الابيقورية والرواقية والشكية. فهي تمثل غاية ومنهجاً في آنٍ واحد، وهي بمثابة دليل عملي للتغلب على تعقيدات الوجود الإنساني، وتجسد في الوقت نفسه الهدف  الاسمى للبحث الفلسفي الا وهو العيش الرغيد بسكينة وهدوء.  

  • الفلسفة الرواقيه: لايعد مصطلح الاتاركسيا صريحا في نصوص الرواقية، ولكن الاتاركسيا تتأخذ شكلا مميزا ذو صلة. فبالنسبة للرواقيين، يكمن سبيل السكينة في العيش بتناغم مع الطبيعة وتقبل النظام العقلاني للكون. ومفهوم الاتاركسيا ينعكس في مثالهم الاعلى للتناغم الداخلي والمرونة العاطفية، والذي يُشار اليه غالبًا باسم "الآباثيا"، او التحرر من الاهواء. ويتضمن النهج الرواقي في تحقيق الطمأنينة، بالتمييز بين ما هو تحت سيطرتنا وما هو خارجها. وأكد إبيكتيتوس في كتابه "المختصر"، على أهمية التركيز حصراً على أفكار المرء وأفعاله وأحكامه، مع البقاء غير مبالٍ بالأحداث الخارجية. يُعزز هذا المنظور إتزاناً راسخاً, إذ يوفق الفرد بين رغباته وأفعاله والنظام الطبيعي، محققا بذلك حالة من الانسجام والسكينة. 
  •  الفلسفة الشكية: قدم التشكيك البيروني منظوراً آخر لمفهوم الاتاراكسيا، مؤكداً على تعليق الحكم (إيبوكيه) كوسيلة لتحقيق السكينه.  جادل سيكستوس إمبيريكوس، ابرز ممثلي هذه المدرسة، بأن الافراد من خلال الإمتناع عن إصدار احكام قاطعة حول طبيعة الواقع، يحررون انفسهم من الاضطرابات النفسية المرتبطة بالمعتقدات الجامدة والرغبة في اليقين. وراى اتباع بيرون ان الطمأنينة لاتتحقق بإكتشاف الحقيقة، بل بإدراك حدود المعرفة البشرية. فمن خلال تقبل عدم اليقين وتبني موقف التواضع الفكري، يمكن للمرء بلوغ حالة من السلام النفسي العميق. ويختلف هذا النهج إختلافا جوهرياً عن مساري الابيقورية والرواقيه نحو السكينة، إذ انه ينفي وجود نظام عقلاني واحد أو مباديء كونية توجه الحياة البشرية. وبدلاً من ذلك، تنشأ الطمأنينة من الموافقة على الغموض والتخلي عن العقائد الجامدة. 
  • الفلسفة الابيقورية (موضوع المقال): وضع إبيقور مفهوم الأتاركسيا في صميم فلسفتة الاخلاقية، مصوراً إياها تعبيراً عن حياة خالية من الالم والاضطرابات النفسية. ووراى ابيقور ان الاتاركسيا تتحقق من خلال السعي إلى المتعه، لكن هذه المتعه ليست انغماساً في الملذات، بل هي حالة من الاستقرار والتوازن تُلبي فيها الرغبات الطبيعية والضرورية، وتهمل فيها الرغبات غير الضرورية أو العبثية. وتطلب الاتاركسيا الابيقورية الالتزام بالعلاج الرباعي. فالاتاركسيا الابيقورية تمثل حالة نفسية وموقف فلسفي متجذر في العقل والبساطة. 

على الرغم من اختلاف المدارس الفلسفية الكلاسيكية، إلا ان مفهوم الاتاركسيا يعكس إهتماما مشتركاً بين المدارس الفلسفية القديمة بسعيها لايجاد حل لمشكلة المعاناة الإنسانية والسعي نحو حياة مستقلة ومرضية. وعلى الرغم من اختلافاتهم , يتفق الابيقوريون والرواقيون والبيرونيون على ان السكينة ضرورية لإزدهار الإنسان. ومع ذلك، فإن مناهجهم المتباينة تُبرز ثراء الفكر الأخلاقي القديم ومقدرته على معالجة التعقيدات المتعلقة بالحالة الإنسانية. 

لذا تعد الاتاراكسيا او مفهومها حجر الزاوية في الفلسفة الكلاسيكية, إذ تجسد السعي إلى السكينة كقيمة اخلاقية ومنهج عملي للحياة . وسواء أكانت تُعرف بإنعدام الخوف والاضطراب في المذهب الابيقوري, او بالانسجام مع العقل والطبيعة في الرواقية, أو بتعليق الحكم(الايبوكية)في الشك البيروني، فان الاتاراكسيا تبرز البحث  الفلسفي في شروط الحياة الطيبة (السعادة).

الأتاركسيا في الفلسفة الأبيقورية

قدم ابيقور, الفيلسوف اليوناني القديم الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، مفهوماً عميقاً في فلسفته تعرف باسم "أتاراكسيا". وتمثل الأتاراكسيا حالة السكينة الداخلية وراحة البال, وتعتبر احد الاهداف الرئيسية في الفلسفة الابيقورية. حيث آمن ابيقور , وهو احد دعاة الفلسفة الهيدونية, ان السعادة الحقيقية تتحقق من خلال السعي للوصول الى حالة ذهنية هادئة ومطمئنة. حيث جادل بان الكثير من معاناة الانسان وسخطه ينبع من رغبات غير ضرورية وقلق بشأن المستقبل ومخاوف غير منطقية. لذلك امن بان الاتاركسيا هي الترياق لهذه الاضطرابات والافكار. وأقر باهمية فضائل الحكمه(فرونيسيس) والعدل (ديكايوسين), ذلك ان هذه الفضائل اساسية في اتخاذ خيارات تؤدي الى الرفاهية والطمأنينة على المدى البعيد.

لتحقيق الأتاركسيا , اكد ابيقور على اهمية فهم العالم الطبيعي وإدرااك انه يسير وفق قوانين يمكن التنبؤ بها , بدلاً من ان يكون محكوماً بآلهه غير متوقعة او قدر متقلب. ومن خلال فهم هذه القوانين الطبيعية وتقبل حدود المعرفة البشرية, يمكن للمرء ان ينعم بشعور من السكينة والرضا الداخليين.

ومن اهم التطبيقات العملية لمفهوم الاتاركسيا, القدرة على تقبل الظروف التي لايمكن تغييرها. فعلى سبيل المثال, عند مواجهة فقدان عزيز أو انتكاسة لارجعة فيه, يُمكن ان يؤدي تنمية التقبل والتعايش مع الموقف الى السلام الداخلي. فبدلاً من التفكير المُفرط في ما لايُمكن السيطرة عليه, يُركز الشخص الذي يتمتع بحالة الاتاركسيا على ايجاد العزاء والفهم في داخله. 

 كذلك اكد ابيقور على اهمية التأمل والعيش في اللحظة الحاضرة بدلاً من القلق بشأن الماضي أو المستقبل, يمكن للأفراد أن يختبروا شعوراً عميقاً بالهدوء والطمأنينه. وتشجع هذه الممارسة على زيادة الوعي بجمال الحياة وبساطتها. وحذر ابيقور من السعي المفرط وراء الممتلكات المادية والرغبات الباذخه. فالسعي وراء الثروة المفرطة او الممتلكات المادية قد يؤدي الى ضغوط نفسية وسخط لاداعي لهما. ومن خلال تبني نهج ابسط واكثر توازناً في الحياة , يمكن للأفراد أن ينعموا بالرضا والسلام. وقد اعتقد ابيقور ان الصداقات الحقيقية المبنية على الثقة والدعم المتبادل والقيم المشتركة , ضرورية لتحقيق الطمأنينه. فالعلاقات الهادفة توفر الدعم العاطفي والشعور بالانتماء, مما يُسهم في تحقيق السلام الداخلي والسعادة. يإختصار, تُشجع فلسفة اتاراكسيا , كما صاغها ابيقور, الأفراد على عيش حياة معتدلة والسعي الى الفهم وتنمية السلام الداخلي. وبتطبيق هذه المباديء على الحياة المعاصرة , نستطيع التغلب على تعقيدات عالمنا وتقلباته , مع ايجاد السكينة والطمأنينة في انفسنا , تماما كما اراد ابيقور في فلسفته. وقد لخص اربعة مباديء للوصول الى حالة الاتاراكسيا وبالتالي الطمانينه والسعادة, واُطلق عليها العلاج الرباعي. 

العلاج الرباعي وقلق الوجود(تفكيك المخاوف الكبرى)

العلاج الرباعي "التيترافارماركوس" ,وهي  مركبة من كلمتين يونانيتين, "التيترا" تعني اربعه, و"فارماركوس" وتعني علاج او دواء, فتصبح العلاج او الدواء الرباعي. وفي الاصل,  يشير المصطلح الى مركب من اربعة مواد دوائية حقيقية: الشمع والشحم والقطران والراتنج. والتي كان اليونانيون يستخدمونه كمركب مكون من هذه العناصر الاربعة لعلاج الالتهابات الجلدية الجروح. لاحقاً, استخدم الاسم فيلوديموس, وهو احد تلاميذ ابيقور, مجازيا للاشارة الى المباديء الاساسية للسعادة في المذهب الابيقوري, نظراً لأن كليهما يعمل كـ علاج وعددهما اربعة. حيث  قام فيلوديموس بتلخيص تعاليم معلمه المتكونة في اربعة مباديء رئيسية في علاج رباعي اسماه العلاج الرباعي. 

استخدم ابيقور اربعة مباديء اساسية كـ وصفة رباعية لشفاء العقل الانساني من اعمق مخاوفه الوجودية. فأبيقور كان يؤمن بأن القلق المزمن ليس عشواءياً بل هو نتيجة اربعه اوهام تسيطر على فكر الانسان, وإذا ما استطاع الانسان تفكيك هذه الاوهام الاربعة فسيصل تلقائياً الى حالة الاتاراكسيا. فالعلاج الرباعي لابيقور يهدف الى علاج النفس من القلق وتحقيق حالة السكينة التامة(الاتاركسيا). ويمكن تلخيص العلاج الرباعي على النحو التالي: 

  • لاتخشوا الآلهة: جادل ابيقور بأن الآلهة  كاملة وخالدة ومباركة. ولانها خالية من العيوب ولاتشعر بالغضب او الرغبة في التدخل الفوري في شؤون البشر, فليس لديها سبب لمعاقبتنا او مكافأتنا. للتوضيح: في زمن ابيقور, كان الناس يعيشون في رعب مفرط ودائم من غضب الآلهه اليونانية , ويظنون ان الكوارث الطبيعيه والامراض ماهي الا عقاب فوري وشخصي لهم من الاآلهة. اراد ابيقور هنا اصلاح هذا المفهوم باخبارهم  بان القوى العليا تعيش بحالة سلام تام ولاتتدخل في شؤون البشر ولاتسعى للانتقام منهم واي ظاهرة طبيعيه او كارثه تحدث  كالطاعون او الكسوف ..الخ. ماهي الا ظواهرطبيعيه  وليست عقاب شخصي لاخطاء البشر. 
  • لاتقلق بشأن الموت:  الموت ببساطة هو فقدان كامل للوعي. وبما ان "الموت لايعنينا شيئا" , فهو لاينطوي على اي الم او احساس. وقد استنتج ابيقور انه عندما نكون موجودين, لايكون الموت موجوداً, وعنما يكون الموت موجودا , لانكون نحن موجودين. فالموت بالنسبه له هو مجرد غياب تام عن الوعي والاحساس, تماما مثل الفترة التي سبقت ولادتنا فلا يوجد وعي يشعر بالالم  او الندم بعد الموت. لذلك من الافضل عيش الحاضر وعدم التفكير او الخوف من الموت.
  • ماهو جيد يمكن الحصول عليه: راى ابيقور ان الاشياء التي نحتاجها حقا لنكون سعداء ونتمتع بصحة نفسية وجسدية جيدة  ( كالطعام البسيط والامان والصداقة والسكينة) , هي اشياء بسيطة ومتاحة ومتوفرة لمعظم البشر ولاتتطلب مجهودا خارقاً او ثروات طائلة . فالطبيعة تجعل مايلزم لحياة هانئة وسعيدة في متناول اليد. ومن خلال التمييز بين الرغبات الطبيعية والضرورية(كالطعام والماء والمأوى) والرغبات غير الطبيعيه (كالثروة الطائلة والشهرة), ندرك  ان احتياجاتنا الاساسية بسيطة ويمكن تلبيتها بسهولة.
  • ماهو مؤلم يمكن تحمله: تعامل ابيقور مع الالم الجسدي والنفسي بواقعية شديدة , حيث آمن بأن الآلام الحادة والشديدة تكون قصيرة المدى بطبيعتها وينتهي بها المطاف إما بالشفاء أو الفناء. اما الآلام المزمنه فيمكن للإنسان التكيف معها وإيجاد مساحات من الفرح والامتنان بجانبها , وذلك من خلال استدعاء الذكريات الجميلة وتأمل الحاضر. فالالم الجسدي او العاطفي , اما ان يكون شديداً (ينتهي بسرعه بالراحه او الموت) أو خفيفا ممكن تحمله من خلال الصلابة العقلية والتركيز على الذكريات السارة الماضية. 

ان الرضا في الفلسفة الابيقوريه , هو ان تدرك ان الثراء الحقيقي لايكمن في كثرة المقتنيات, بل في قلة الاحتياجات. فعندما يُسقط الانسان الرغبات الوهمية من حساباته, سيبطفيء في عقله قلق المقارنة والركض المستمر, ويصل بالنتيجة الى حالة الاتاراكيسيا وهي السكينه والهدوء.

الخاتمة

الاتاراكسيا في الفلسفة الابيقورية تنتج  من الرضا والقناعه وإدراك ان الثراء الحقيقي  لايكمن في كثرة المقتنيات. فعندما يتخلى الانسان عن الرغبات الوهمية غير الضرورية  وينسحب من سباق الاستهلاك الغير مجدي نفعا, سينطفيء في عقله قلق المقارنة والركض المستمر وراء التوقعات. فقوة السلام الداخلي تكمن في القدرة على قول "اكتفيت" والوصوال الى حالة الاتاراكسيا, حيث يصبح السلام الداخلي حصناً منيعاً لاتهزه عواصف العالم الخارجي ومغرياته وصخبه.