استراحة محارب

يروي النص حكاية رجل ناجح في الثانية والخمسين من عمره، عاش حياة مستقرة وكرس نفسه لعائلته وعمله، لكنه يفاجا بمشاعر عميقة تجاه مهندسة ارملة انضمت الى شركته. يعيش صراعا داخليا طويلًا بين الحب الصامت والوفاء لقيمه واسرته، حتى يختار في النهاية موقفا اخلاقيا يحفظ كرامته وراحة ضميره، ويترك حبه في دائرة الصمت والنبالة.

استراحة محارب


كيف لرجلٍ في خريف العمر أن يُفاجَأ بما ظنّه مات منذ زمن؟

وكأن القلب - مهما شُغل - يُخزّن أسراره في غرفةٍ لا يفتحها إلا حين يطمئنّ أن صاحبها لم يعد يراقبه.

كان رجلًا ناجحًا، لا تلمع نجاحاته في الصحف، لكنها تلمع في عيون أولاده. ربّ أسرةٍ وأبٌ لبنت وثلاثة أبناء. ميسور الحال بما يكفي كي لا يخاف الغد، وبسيط بما يكفي كي لا يتكبّر على الأمس. خمسةٌ وعشرون عامًا من الكفاح… ليست كلها وردًا. كانت فيها أشواكٌ كثيرة، لكنّه تعلّم أن الشوك ليس علامة فشل، بل علامة طريقٍ حقيقي.

لم يولد وفي فمه ملعقةُ ذهب، بل وُلد وفي قلبه يقين. وكان يؤمن بالعمل الجاد والنزاهة والشرف؛ وبأن من يزرع بصدقٍ، مصيره أن يحصد، ولو بعد حين. وكان يرى أن الإنسان لا يحتاج إلى عائلةٍ غنية كي ينجو، بل يحتاج إلى معنى.

كان رأسُ ماله صحته. وامرأةٌ اختارها بعقله قبل قلبه، ليكون البيت سندًا لا ساحة حرب. كبر الأولاد، ابنته الكبرى على وشك التخرّج من الطب، والآخرون بين الجامعة وسنوات المدرسة الأخيرة. لم يكن يريد الكثير من الحياة، يريد فقط أن يضع رأسه آخر الليل وهو راضٍ… لا ظالمًا ولا مظلومًا. كان يرى أن راحة البال ليست رفاهية، بل وقودًا لإشعال الرضا في داخله، والرضا شكلٌ آخر من أشكال الغنى.

تزوّج مبكرًا، وهو يعلم أن الزواج - إن صلح - يمكن أن يكون سياجًا يحمي الإنسان من نفسه. وفي كل مرةٍ تنازل فيها أو ضحّى، كان يربّت على روحه ويقول”ليس ضعفًا… بل هذا ما يُبقي البيت قائمًا، وما يجعل للعمر معنى”. وكان ينجح… أحيانًا، ويتعب… كثيرًا. لكنه لم يندم، فالعائلة كانت أولًا، ثم المهنة. هكذا رتّب سُلّم الأولويات. هكذا عاش.

وفي صباح يوم عيد ميلاده الثاني والخمسين، كان في خضم التفكير في قرارٍ مهني مصيري. صفقةُ استحواذٍ عُرضت عليه، انتقالٌ إلى مرحلةٍ جديدة، مرحلة الاستراحة التي حلم بها طويلًا. وفي تلك الساعات - حين يصبح الإنسان أكثر صدقًا مع نفسه لأن الزمن يضغط من الخلف - تذكر حديث ابنته منذ خمس سنوات.

 كانت قد قالت له ”أمُّ إحدى زميلاتي أصبحت أرملة… هل يمكن أن توظفها؟ هي مهندسة ديكور”. لم يكن من عادته أن يرفض سؤال ابنته، ولم يكن من طبعه أن يغلق الباب أمام منكسِرٍ يحاول الوقوف. وافق على مقابلتها، رغم جدوله الذي لا يرحم.

 دخلت عليه… وجاءت اللحظة التي لا تخبرك مسبقًا أنها ستغيّر كل شيء. ومن النظرة الأولى، حدث ما لا يليق برجلٍ عاقلٍ ومتزن. حدث ما اعتقد أنه حكرٌ على المراهقين. شعورٌ عصف به كالصاعقة، دون استئذان، ولا شرح ولا اعتذار.

لم يفهم. حاول أن يضحك على نفسه، قائلًا في سرّه “مجرد تعاطف… شفقة… انبهار… شيءٌ عابرٌ سيمر. لكن بعض الأشياء لا تمر؛ بعض الأشياء تتسلّل وتتوغّل حتى تسكنك”.

كانت أرملة، هذه هي المعلومة الوحيدة التي يعرفها عنها حينها. ومع ذلك، شعر أن قلبه يتصرّف كأنه يعرفها منذ زمنٍ بعيد. وما أصعب أن يعشق الإنسان فكرة قبل أن يعشق شخصًا. فالخيال لا يُحاسَب، لكن الضمير لا ينام. ومنذ ذلك اليوم، بدأ صراعه الحقيقي، ليس صراعًا مع امرأة… بل صراعًا مع صورةٍ كان يحبّها عن نفسه، رجلٌ يُنهي يومه بلا ظلم. وحبٌّ صامتٌ من طرفٍ واحدٍ لا يعلم إلى أين سيعصف به.

خمس سنواتٍ كاملة. كل ليلةٍ كان يسأل: هل هذا عدل؟ هل يجوز أن يحمل قلبه هذا الكم من المشاعر تجاه امرأةٍ ليست له؟ كيف لتأنيب الضمير أن يكون قاسيًا لهذا الحد؟

وهل تستحق رفيقة دربه - أم أولاده - هذه الصفعة بعد أن أفنت عمرها في البيت و تربية أولاده؟ كان يشعر أحيانًا أنه خائنٌ حتى وهو صامت، إحساسٌ ثقيلٌ بالهم يكاد أن يشقّ صدره. وكأن الخيانة ليست فعلًا… بل مجرّد احتمالٍ يسكن بين الضلوع.

انضمّت المهندسة إلى الشركة، وكانت المفاجأة الثانية، لم يكن الأمر نزوةً عابرة. كلما عرف عنها أكثر، ازداد إنجذابه وهمّه ووجعُه. لم تكن على قدرٍ كبير من الجمال، ولذلك لم يستطع أن يتهم نفسه بالسطحية. الذي جذبه فيها شيءٌ آخر… شيءٌ لا تلتقطه العين سريعًا، ذكاءٌ هادئ، وقلةُ كلامٍ تجعل كل كلمةٍ محسوبة. لباقةٌ لا تتسوّل رضا أحد. جديةٌ لا تُهين الدفءَ. صرامةٌ تعرف متى تلين، تناقضاتٌ كمن يلمح واحةً في وسط الصحراء… وما أدراك لهفةَ التائه الظمآن حين يلمح السراب.

كان يراقبها وهي تعمل كأنها توفي عهدًا لا يقبل المساومة، بجدٍّ ونزاهةٍ وإتقان. تضع خطوط التصميم كأنها تُعيد ترتيب الفوضى داخل العالم. تلتزم بمواعيدها على نحوٍ نادر، وتُسلّم المشاريع في وقتها، بل تضيف ما لا يُطلب منها. وبهدوءٍ وسلاسة، استقر الأداء داخل الشركة. كأن هذه المرأة مباركة، تشعّ نورًا على كل من حولها. وفي تلك المرحلة كانت الشركة قد مرّت بأزمة، شريكه القديم انسحب، وباع حصته، وترك خلفه غبار الخيبة. لكن وجود هذه المرأة أعاد شيئًا من الثقة، ليس لأنها منقذة، بل لأنها كانت تعمل كأن نجاح الشركة جزءٌ من كرامتها.

ومع المشاريع التي حصلت عليها الشركة بفضل تصميماتها، امتد صيت المؤسسة إلى ما وراء الحدود. كانت الشركة تستعيد أنفاسها… بينما هو كان يفقد أنفاسه كلما دخلت غرفة اجتماع. صار يتجنب الاجتماعات الانفرادية معها، واجتماعات العملاء، يتحجّج بثقته بها، وبانشغاله، وبألف سبب. كان يخاف أن تفضحه حركاته أو لغة جسده، نظرةٌ أطول من اللازم، صمتٌ أقل مما يجب، رعشةٌ بسيطة في صوتٍ لا يليق برجلٍ في مركزه.

حتى في مرة، حين امتد العمل لساعاتٍ متأخرة، وكاد أن يوصلها بنفسه، ارتعب من الفكرة. كأن الطريق إلى بيتها ليس شارعًا… بل امتحانًا. طلب من سائق الشركة أن يعود ويقوم بالمهمة. ثم بقي في المكتب وحده، يحاول أن يتنفس، ويحاول أن يقنع نفسه أن النجاة ليست بطولة، بل واجب.

كان يهرب من تهنئتها بعيد ميلادها، ليس لأنه يتجاهلها، بل لأنه كان يخشى أن تلمح شيئًا في نبرة صوته. كان يتمنى أن يدعوها إلى عشاء، أن يعطيها هدية… ثم يبتلع التمني كما يبتلع الطفل دواءً مرًّا ليشفى. وحين تمرض، كان يسأل عنها الفريق بحذرٍ شديد، كمن يخفي كنزه تحت التراب. أما إجازتها السنوية فكانت عقابه الحقيقي، أثناءها كان يشعر وكأنه أُصيب بالعمى. ويتساءل - في لحظات ضعفٍ طفولية - هل اشتاقت إليّ؟ ثم يوبّخ نفسه، وما شأنك؟ أنت رجلٌ له بيتٌ وعائلةٌ وعهدٌ.

استعمره الحب وصار وطنًا مؤلمًا في داخله. يسكن كل خلية، ويملأ ثنيات القلب وتلافيف العقل. وكان يشعر أنه على وشك أن يفيض… كلمة واحدة فقط، ثم ينتهي كل شيء، إما أن ينجو أو يحترق. لكنها طوال السنوات الخمس لم تمنحه أي إشارة واضحة، ولا حتى تلميحًا من بعيد. وربما كانت تمنحه أقسى الإشارات، احترامًا مهنيًا باردًا، وهو المطلوب كمدير. ذلك الاحترام الذي لا يفتح بابًا ولا يغلقه، لكنه يجعل كل شيءٍ صعبًا.

ثم رنّ الهاتف. قطع الرنين عليه سيل الذكريات، كأن الواقع يذكّره بأن الحياة لا تمنحنا رفاهية الغرق طويلًا. المتصل كان صديقه القديم… الشريك السابق… الرجل الذي غادر أثناء الأزمة، ثم عاد الآن بعرض الاستحواذ بعد أن أصبح رئيسًا تنفيذيًا لإحدى كبرى الشركات. لقد حان وقت الحسم واتخاذ القرار.

رفع الهاتف، وسمع نفسه يقول - بصوتٍ بدا له غريبًا من شدّة هدوئه “توكلنا على الله… لكن بشرط”.

 رد الطرف الآخر ببرود ”تفضل، ما هو؟”

 تردد لثانية… ثم أدرك أن هذه الثانية هي اختبار عمره كله. ليس اختبار الصفقة… بل اختبار الرجل الذي يريد أن ينام مرتاح البال. ثم استطرد بحزم “سأوقع اليوم قرار ترقية المهندسة لتكون هي المدير العام بعدي. شرطي أن يُحافَظ على منصبها وصلاحياتها كاملة”.

رد صديقه متحفّظًا “هذا الأمر يجب أن يُعرض على مجلس الإدارة والشركاء…”

قاطعه، وأكمل دون أن يرفع صوته “…وأن تحصل على نسبةٍ من قيمة الاستحواذ كشريكة… تقديرًا لتفانيها وجهدها خلال السنوات الخمس الماضية”.

ساد صمتٌ طويل.

الصمت الذي يزن الكلام في ميزان المال.

أما هو فكان يزن الكلام في ميزانٍ آخر، ميزان راحة البال.

لم يكن شرطه التجاري الوحيد… كان شرطه الأخلاقي. كان يحاول أن يترك الشركة وهو يشعر أنه أعطى كل ذي حق حقه. وأن الحب الذي لم يُعلن… لن يتحول إلى جريمةٍ في آخر العمر.

انتظر الرد، وكان قلبه هذه المرة هادئًا بشكلٍ غريب.

كأنه قال أخيرًا ما يجب أن يقال - ولو في مكانٍ آخر غير مكانه.

وجاءه رد صديقه “اتفقنا… على بركة الله”.

أغلق الهاتف، وبقي وحده لحظة. نظر إلى النافذة. إلى ضوء النهار. وشعر أن الاستراحة التي حلم بها طويلًا ليست عطلةً من العمل فقط…بل عطلةٌ من صراعٍ عاشه سرًّا بينه وبين نفسه، بين قيمه ومبادئه وعائلته في كفّة، وحبّه الذي قرّر ألا يتعدّى حدود السراب في كفّة.

ابتسم ابتسامةً صغيرة، تشبه الرضا أكثر مما تشبه الفرح. ثم همس لنفسه برضا، وكأنه يربّت على كتفه “الآن… يمكنني أن أنام”.

وكان يعلم في قرارة قلبه أن الحب سيبقى... سرًا... تاركًا أثر قطعه في صدره... جرحًا لا ينزف.