البحوث الكيفية في العلوم الاجتماعية
قراءة في كتاب (البحوث الكيفية في العلوم الاجتماعية)، تستعرض أبرز موضوعاته المتعلقة بمناهج البحث الكيفي وأساليبه وتطبيقاته في دراسة الظواهر الاجتماعية.
المقدمة:
نستعرض في هذه المقالة حول أبرز المواضيع التي تحدث عنها كتاب البحوث الكيفية في العلوم الاجتماعية وهو من تأليف: شالرين هس و بيبر باتريشيا ليفي، ترجمة: هناء الجوهري، لدار النشر: المركز القومي للترجمة ضمن سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين العدد 1783 الطبعة الأولى عام 2011م
لماذا هذا الكتاب؟
في عصر يطغى عليه البيانات الضخمة، يعيد هذا العمل الاعتبار لـ "الكلمة" و"القصة" و"الأثر"، مؤكداً أن الفهم الحقيقي للمجتمع لا يمكن أن يكتمل دون الغوص في السياقات الثقافية والاجتماعية التي تشكل وعي الأفراد. يتميز الكتاب بكونه دليل إجرائي وأخلاقي، يرافق الباحث في مراحل تصميمه للدراسة، واختياره للعينات، وإدارته للمواقف الميدانية الصعبة، مع وعي حاد بمسؤوليته تجاه المبحوثين وتجاه العلم.
إن البحث الكيفي ليس مجرد منهج لجمع البيانات، بل هو ممارسة نقدية وانعكاسية تتطلب من الباحث أن يكون أداة واعية، قادرة على رؤية المسكوت عنه وسماع الأصوات المهمشة في ثنايا الواقع الاجتماعي
تعد البحوث الكيفية نافذة جوهرية تطل منها العلوم الاجتماعية على تعقيدات الحياة اليومية، حيث لا تكتفي برصد الظواهر من الخارج، بل تسعى للنفاذ إلى جوهر المعنى الذي يضفيه الأفراد على تجاربهم. إن هذا الكتاب الذي بين أيدينا يمثل رحلة معرفية متكاملة، تبدأ من التساؤلات الفلسفية الكبرى حول طبيعة الحقيقة، وتنتهي بالأدوات العملية الدقيقة التي تمكن الباحث من استنطاق الميدان وتحويل الملاحظات العابرة إلى معرفة علمية رصينة.
نأمل أن يكون هذا الكتاب حافزاً للباحثين لارتياد آفاق جديدة، والجمع بين الصرامة المنهجية والإبداع الفكري.
ما الفرق بين البحث الكيفي والبحث الكمي ؟
البحث الكمي:
- يعتمد على الأرقام والمعدلات والنسب المئوية
- يستخدم المسوح الاجتماعية والاستبيانات ذات الخيارات المتعددة (مثل مقياس ليكرت)
- يهدف إلى تحديد العلاقات السببية والتنبؤ بالأنماط
- ينتج بيانات قابلة للتعميم
البحث الكيفي:
- يعرف كمهارة عقلية إبداعية دقيقة، وليس مجرد مجموعة أساليب
- يجيب عن أسئلة "لماذا" و"كيف" و"ماذا"
- يهتم بفهم المعنى الاجتماعي والخبرات الفردية
- يسعى للعمق في البيانات وليس الكمية
- يعتمد على التفاعل المباشر مع المبحوثين كشركاء في العملية البحثية
الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) الإبستمولوجيا الوضعية
تعرف الإبستمولوجيا بأنها نظرية من نظريات المعرفة مستبطنة في ثنايا أي منظور فكري (Creswell, 2003). وهي تساؤل حول:
- من يمكنه أن يكون عارفاً؟
- ما الذي يمكن معرفته؟
- كيفية توليد المعرفة؟
الإبستمولوجيا الوضعية
المبادئ الأساسية:
- الإيمان بوجود حقيقة اجتماعية مستقلة وموضوعية
- يمكن اكتشاف هذه الحقيقة من خلال باحثين محايدين غير متأثرين بالقيم
- استخدام طرق بحث موضوعية قابلة للتكرار
- الفصل بين الذات (الباحث) والموضوع (المبحوث)
- سيطرة هذا المنظور على تاريخ بناء المعرفة لفترة طويلة
انبثاق مشكلة البحث
قدم الكتاب عدة نماذج لكيفية نشوء مشاكل البحث ومنها نموذج ديان فوغان: كانت تمر بمرحلة طلاق عندما اطلعت على مقالة تصف الزواج كعملية حوار وبناء مشترك ثم أدركت أن تجربتها تمثل "الصورة المعكوسة" لهذه العملية وهي: إعادة تعريف النفس كفردين منفصلين تدريجياً وليس فجأة، قادها هذا إلى إجراء مقابلات مع أفراد لدراسة كيفية انتهاء العلاقات الزوجية.
قضايا القياس (الانتقال من المفاهيم إلى المتغيرات)
التعريف الإجرائي عملية تحويل المفاهيم المجردة مثل: (اضطرابات الأكل) إلى متغيرات قابلة للقياس مثال بيان اضطرابات الأكل.
والذي يتضمن أبعاداً سلوكية (الشراهة المرضية، فقدان الشهية، سلوكيات الحمية الغذائية) وأبعاداً نفسية (مخاوف النضج، نزعة الحرص الزائد على الكمال).
الصدق والثبات في المنظور الوضعي
الصدق بالمعنى الوضعي:
الصدق يعني: هل المقياس يقيس ما يدعي أنه يقيسه بالفعل؟ مثال: مقياس التسلطية يجب أن يرتبط بفقدان الثقة والسلوك النزاع للشك.
الثبات بالمعنى الوضعي: هل يؤدي المقياس إلى نفس النتائج إذا طبق مرتين على نفس العينة في ظروف مماثلة؟
قد يضحي الباحث بشيء من الصدق (بتبسيط المقياس) مقابل مكسب في الثبات.
تحديات الصدق في البحث الكيفي
- هل يمكن تطبيق معايير أساسية موحدة على جميع طرق البحث الكيفية المختلفة؟ (مقارنة بين تحليل المضمون والمقابلات مثلاً)
- توجد خلافات حول معايير الصدق، يقترح Denzin (1989) أن ما يمكن أن تحققه ممارسات إثبات الصدق هو "الدقة البالغة" وتوسيع وتكثيف وتعميق الأساس التأويلي لأي دراسة.
الثبات المنهجي في البحوث الكيفية
الاتساق الداخلي
- هل البيانات التي جمعتها معقولة؟
- هل تتلاءم مع بعضها البعض؟
- هل تضيف بياناتك شي جديدا إلى ما هو معروف؟
- هل يوجد اتساق في الملاحظات على امتداد الزمن وفي السياقات المختلفة؟
الاتساق الخارجي التثبت من الملاحظات باستعمال مصادر أخرى مختلفة من البيانات.
الثبات في البحث الميداني يعتمد على بصيرة الباحث ووعيه وشكوكه وتساؤلاته، وقدرته على النظر إلى المبحوثين والأحداث من زوايا مختلفة (قانونية، اقتصادية، سياسية، شخصية).
التعميم في البحث الكيفي
يميز دافيد كارب بين نوعين من التعميم:
التعميم الإمبريقي استخراج أحكام عامة من عينة لتطبيقها على عالم أكبر مرتبط بالتحليل الإحصائي
التعميم التحليلي الوصول إليه باستخدام عينات صغيرة من البيانات الكيفية
اختيار العينات في البحث الكيفي (العينات العمدية)
يميز باتون انماط مختلفاً من العينات العمدية. من أبرزها:
- العينة المتجانسة
- العينة العمدية الطبقية
- العينة النظرية
- العينة الانتهازية
نموذج "الرقصة" في البحث الكيفي
قدم الكتاب استعارة مركزية: البحث الكيفي أشبه بالرقصة وليس باتباع خطوات متسلسلة.
خصائص هذا النموذج:
- حركات غير منتظمة تخضع لنمط الموسيقى (البيانات)
- انفتاح على الأنماط الجديدة لحظة ظهورها
- عملية دائرية بين جمع البيانات وتحليلها وتوليد النظرية (الاستقراء التحليلي)
- لا توجد رقصة واحدة مناسبة، ولا نمط جامد يتعين اتباعه
العلاقة الديناميكية بين الخطوات:
- جمع البيانات - تحليل البيانات - بلورة أفكار او فروض - جمع أنواع محددة من البيانات -اختبار الأفكار-الباحث يتحرك جيئة وذهاباً على امتداد خطوات البحث.
أخلاقيات البحث الاجتماعي
يتناول هذا الكتاب القضايا الأخلاقية في البحث الاجتماعي، مستهلاً بدراسة حالة كلاسيكية في انتهاك الأخلاقيات البحثية وهي دراسة لمرض الزهري. كما يهدف الكتاب إلى تعريف الباحثين بالمبادئ الأخلاقية الأساسية، والمشكلات الأخلاقية التي قد تواجههم، وكيفية التعامل معها في الممارسة البحثية اليومية.
أولاً: دراسة حالة – تجربة Tuskegee (1932-1972)
تفاصيل الدراسة:
- أجرتها وزارة الصحة الأمريكية في مدينة Tuskegee بولاية ألاباما- شملت 399 رجلاً أسود (من أصل إفريقي) مصابين بالزهرى الكامن، إضافة إلى 201 في العينة الضابطة
الهدف: تتبع "المسار الطبيعي" للمرض
استمرت الدراسة 40 عاماً (1932-1972)
الانتهاكات الأخلاقية في هذه الدراسة:
- عدم الحصول على موافقة علمية: لم يطلب من المبحوثين التوقيع على موافقة صريحة للمشاركة
- حرمانهم من العلاج في الثلاثينيات: حرم المشاركون من علاج المعادن الثقيلة (العلاج المعياري آنذاك)
- حرمانهم من العلاج المتاح لاحقاً بعد توفر المضادات الحيوية في الأربعينيات، واستمر حرمانهم من العلاج رغم علم الباحثين بفعاليته
- استمرار الخداع: استمر الباحثون مراقبة الرجال حتى تشريح جثثهم بعد الوفاة.
وعلى ضوء ذلك أظهرت هذه الفضيحة الحاجة الملحة إلى:
- وضع معايير أخلاقية ملزمة للبحث على البشر
- إنشاء مجالس مراجعة مؤسسية
- مبدأ الموافقة المستنيرة
ثانياً: تجربة ميلغرام (Milgram, 1963)
تفاصيل التجربة:
- دراسة عن الطاعة والسلطة (السلطة في التعليم والتعلم)
- طلب من المتطوعين (المعلمين) تسليط "صدمات كهربائية" على مشاركين آخرين عند إجابتهم إجابات خاطئة
- في الواقع، المشاركون كانوا ممثلين ولم تكن هناك صدمات حقيقية
لانتهاكات الأخلاقية:
- خداع المبحوثين: لم يكونوا على علم بالطبيعة الحقيقية للتجربة
- عدم الحصول على موافقة مستنيرة كاملة
- عدم السماح بالانسحاب بعض المتطوعين احتجوا وأرادوا التوقف، لكن المشرف أصر على الاستمرار
- إلحاق ضرر نفسي عانى بعض المبحوثين من قلق واضطراب نفسي
الملاحظة بالمشاركة والخداع
يقدم هربرت جانز (Herbert Gans, 1982) تأملاته الشخصية حول الخداع المتأصل في طبيعة الملاحظة المشاركة
أخطار الملاحظة المشاركة:
- عدم تكافؤ العطاء والأخذ الباحث يأخذ المعلومات (يتعلم) لكنه نادراً ما يعطي شيئاً في المقابل
- الرفض الطبيعي للمشاركة العاطفية يبدو الباحث مشاركاً لكنه في الحقيقة مراقب، وعليه أن يرفض تقديم عون أو نصيحة ليحافظ على حياده
- المراقبة الخفية يلاحظ الناس عندما يتخلون عن حذرهم، وهو ما يشبه "التجسس"
- الأسئلة ذات الأغراض الخفية يطرح أسئلة يهدف من ورائها إلى تحقيق أغراض يغلب على مستجيبيه أن يكونوا غافلين عنها
النتيجة التي يخلص إليها جانز:
الباحث الملاحظ المشارك يتصرف على نحو مضلل نفسياً – يخدع الناس فيما يتصل بحقيقة مشاعره، ويخدعهم عندما يقوم بملاحظتهم في الوقت الذي لا يعلمون فيه أنه يلاحظهم.
الموافقة المستنيرة
المبادئ الأساسية (حسب أدلر وأدلر، 2002):
- مبدأ أساسي: الموافقة المستنيرة إجراء ضروري، لكنها لا تغني الباحث من مسئوليته عن كل الاعتبارات الأخلاقية
- تحديات التنفيذ العملي:
- قد لا يكون من مصلحة الباحث دائماً أن يكون مستعداً للصراحة الكاملة
- بعض الباحثين يشرحون مشروع البحث باعتباره "قصة ذات طبيعة عامة" (شكل من أشكال الخداع الجزئي)
- يكتسب الباحثون تدريجياً نوعاً من الإدراك: أي التفاصيل تهدئ المخاوف
- الضغوط للحصول على الموافقة:
- المشاريع البحثية تستغل وجود علاقة تربطها بالهيئات صاحبة القوة أو السلطة والنفوذ
- الباحث قد يميل إلى "تحطيم خطوط دفاع المبحوثين" عبر الضغوط الجماعية أو استغلال الصداقات
- رفض المشاركة يعتبر في الغالب إخفاقاً من جانب الباحث
السرية والخصوصية
في هذا السياق ذكر الكتاب ان الصحفيين يتمتعون بحماية لسرية مصادرهم بينما العلماء الاجتماعيون يفتقرون إلى هذه الحماية.
ويناقش الكتاب حول السرية المطلقة:
- هل إلزام الباحث بالسرية يمنع المبحوثين الذين يريدون الكشف عن هوياتهم من فعل ذلك؟
- هل الباحث مسؤول وحده عن تقرير ما إذا كان ينبغي الحفاظ على السرية؟
- هل ينبغي أن تكون السرية مسعى مشتركاً بين الباحث والمبحوث؟
قائمة مراجعة للثقة الأخلاقية في البحوث الإثنوجرافية
أسئلة للتحقق من الالتزام الأخلاقي:
- هل تم وصف علاقة الباحث بالمجموعة ومجتمع البحث وصفاً تفصيلياً؟
- هل التوثيق الميداني شامل ومُفصَّل بدقة؟
- هل استعملت طرق بحث متعددة (مذكرات مكتوبة، تسجيلات صوتية)؟
- هل تم توثيق تدريب الباحث القائم بإجراء المقابلات؟
- هل تم وصف الإخباريين الأساسيين وصفاً كاملاً (الجماعات التي يمثلونها، مكانتهم في المجتمع)؟
- هل تم التوثيق الكامل لأساليب اختيار العينات؟
كما يناقش الكتاب في هذا الجانب:
- أخلاقيات البحث ليست مجرد إجراءات شكلية: الموافقة المستنيرة ضرورية لكنها غير كافية، فهناك اعتبارات أخلاقية أوسع يتعين على الباحث مراعاتها طوال العملية البحثية.
- التوتر بين المعرفة والخصوصية: قد يكون البحث العلمي مفيداً للمجتمع لكنه قد يسبب ضرراً للمشاركين الأفراد – وهذا توتر أخلاقي لا يمكن حله نهائياً.
- الأطر التنظيمية ليست محايدة: مجالس الفحص والمراجعة قد تحابي الجماعات القوية وتُضعف قدرة الباحثين على دراسة المجموعات المهمشة والظواهر الخفية.
- الملاحظة بالمشاركة تنطوي على خداع متأصل: الباحث في هذا النموذج "يتجسس" فعلاً على الناس، مما يثير تساؤلات أخلاقية عميقة حول مشروعية هذا النوع من البحث.
- الموازنة بين المنفعة والضرر: يجب على الباحث أن يوازن بين الفائدة المعرفية المتوقعة من البحث والضرر المحتمل على المبحوثين، مع إعطاء الأولوية لسلامة المشاركين.
المقابلة المتعمقة
يتناول الكتاب المقابلة المتعمقة كأحد أهم طرق جمع البيانات في البحث الكيفي. يركز أيضا على الجوانب العملية لإجراء المقابلات، بدءاً من تصميم دليل المقابلة، مروراً بمهارات إجراء المقابلة (الإنصات، الإيحاءات)، وصولاً إلى تحليل البيانات وكتابة التعليقات الميدانية. كما يناقش قضايا العلاقة بين الباحث والمبحوث، وتأثير الاختلافات الاجتماعية (كالعرق، والجنس، والطبقة) على عملية المقابلة.
مفهوم المقابلة المتعمقة وخصائصها
تعريف المقابلة المتعمقة:هي حوار تفاعلي بين الباحث والمبحوث، تهدف إلى الحصول على فهم عميق لخبرات الأفراد وتصوراتهم حول موضوع محدد.
الخصائص المميزة للمقابلة المتعمقة:
- المبحوث هو الخبير المبحوث هو من يمتلك المعرفة والخبرة، والباحث دوره الإنصات والتعلم
- نوع خاص من الحوار يختلف عن الحوار العادي الباحث يطرح سؤالاً ثم يقوم بدور "المنصت الفعال"
- الوصول إلى الأصوات المقهورة تتيح المقابلة الوصول إلى معرفة الجماعات المهمشة بحب وصف الكتاب.
خطوات إعداد وإجراء المقابلة المتعمقة
1.معيار اختبار المبحوثين
المعايير الأساسية لـ (راينهارز، 1992):
- ينبغي أن تتوفر لدى المبحوث الخبرة والمعرفة المرتبطة بموضوع البحث
- الاختيار يتم وفقاً لأهداف الدراسة وليس بشكل عشوائي
- يمكن دفع مبلغ صغير أو تقديم هدية للمبحوثين تعبيراً عن الشكر
- أفضل المقابلات تجرى مع من يودون إطلاع الآخرين على حكاياتهم ومعارفهم
- ترتيب المقابلة
- المكان: مكتب الباحث، بيت المبحوث، أو أي مكان تتوفر فيه الخصوصية
- المدة: من ساعة إلى ساعتين عادةً
- الوسائل: شخصياً (الأفضل)، تليفونياً، أو عبر البريد الإلكتروني (لا ينصح بهما إلا للضرورة)
- دليل المقابلة
تعريفه: أداة مساعدة للباحث تتضمن الأسئلة أو الموضوعات التي يرغب في تغطيتها.
خصائص الدليل الجيد:
- ليس ضرورياً أن يكون طويلاً أو مفصلاً جداً
- المقصود منه إلقاء نظرة سريعة عند الحاجة، وليس القراءة منه حرفياً
- يمكن أن يكون "قائمة مراجعة" للتأكد من تغطية كل الموضوعات
- التركيز المفرط على الدليل قد يصرف انتباه الباحث عن الاهتمام الكامل بالمبحوث
65% من الأسئلة التي يطرحها الباحثين المخضرمين غير واردة في دليل المقابلة البراعة في إجراء المقابلة المتعمقة تتمثل في معرفتك متى تتعقب بمزيد من الأسئلة والنقاش ما يقوله المبحوث في لحظة معينة.
المهارات الأساسية لإجراء المقابلة
- بناء الألفة
- المقابلة المتعمقة تتطلب بناء الألفة والتفاعل بين الباحث والمبحوث
- الباحث ليس قاضياً، دوره مساعدة المبحوث على الإفضاء بحكاياته
- تلاقي العيون والإشارات المناسبة (كالإيماءة بالرأس) أمور مهمة لتأكيد الألفة
- الإيحاءات
عريف الإيحاءات (وايس، 1994):إشارات عابرة تصدر من المبحوث يشير بها إلى حدث مهم أو إلى حالة شعورية مهمة... ترد في سياق الكلام عن شيء آخر.
كيفية التعامل مع الإيحاءات:
- احتفظ بها في ذاكرتك ثم عد إليها لاحقاً
- قل للمبحوث: "منذ لحظات ذكرت كذا... هل يمكنك أن تحكي لي شيئاً عن ذلك؟"
- إذا تركت الإيحاء تمر، فقد يظهر للمبحوث أن هذا المجال لا أهمية له عندك
- المجسات
تعريف المجسات: أسلوب يتبعه الباحث لجعل المبحوثين يسترسلون في الكلام وتقديم مزيد من الشرح والتفسير.
أنواع المجسات:
- مجرد إشارة فهم واهتمام (مثل الهمهمة "مممم" أو الإيماءة بالرأس)
- سؤال استيضاحي قصير: هل يمكنك أن تشرح أكثر؟
- طلب مثال توضيحي: هل يمكنك أن تعطيني مثالاً على ذلك؟
أهمية المجسات:
تتيح للمبحوث الاسترسال بدون الحاجة إلى طرح سؤال آخر، مما يحافظ على تدفق الحوار الطبيعي.
- الإنصات الفعال
- الباحث يقوم بدور "المنصت الفعّال" أكثر من دوره كمتحدث
الموضوعية القوية ودور الباحث
تنتقد ساندرا هاردنج الفكرة الوضعية التقليدية للموضوعية، وتقدم بديلاً هو (الموضوعية القوية):
أسئلة يجب على الباحث الذي يمارس الموضوعية القوية أن يطرحها على نفسه:
- إلى أي مدى تتدخل قيمي واتجاهاتي في عملية البحث؟
- هل أطرح الأسئلة انطلاقاً من رؤيتي فقط؟
- إلى أي مدى تشكل أولوياتي الشخصية ما أطرحه من أسئلة وما أصل إليه من نتائج؟
- إلى أي مدى تؤثر ظروفي وأوضاعي في طريقة جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها؟
قضية الاختلاف بين الباحث والمبحوث
ذكر الكتاب مثال: جوزفين بوكيو-بتس (Beoku-Betts, 1994): باحثة أمريكية من أصل إفريقي تدرس مجتمعاً أمريكياً من أصل إفريقي واجهت تحديات بسبب كونها امرأة متعلمة من الطبقة الوسطى تدرس نساء عاملات كان عليها أن تخوض حوارات حول قضية أنيتا هيل وكلارنس توماس هذه الحوارات كانت ضرورية لبناء الثقة وفهم المجتمع
مزايا كون الباحث غريباً: قد ينظر إليه على أنه أكثر حياداً- يطرح أسئلة عن أمور قد ينظر إليها "الأقارب" على أنها "معرفة مشتركة" ومفروغ منها- يتبين أن الأشخاص الذين يدرسهم لديهم أساليبهم الخاصة في النظر إلى القضية.
مقابلات جماعات المناقشة المركزة
يتناول هذا الفصل جماعات المناقشة المركزة كأسلوب بحثي نوعي يتمثل في إجراء مقابلات جماعية مع مجموعة صغيرة من المبحوثين (عادة من 6 إلى 10 أفراد) يناقشون موضوعاً محدداً بتوجيه من وسيط (باحث). يؤكد الفصل على أن البيانات الناتجة عن جماعات المناقشة المركزة تختلف جوهرياً عن مجموع البيانات المستمدة من مقابلات فردية، وذلك بسبب "مفعول الجماعة الذي يولد دينامية تفاعلية فريدة.
المبررات النظرية لاستخدام جماعات المناقشة المركزة
- تخفيف التسلسل الهرمي بين الباحث والمبحوث
جماعات المناقشة المركزة تخفف من الهواجس التي تنتاب الباحثين المتبنين لما بعد الحداثة فيما يتصل بالوضع التدرجي القائم بين الباحث والمبحوث. فبدلاً من نموذج الباحث "صاحب السلطة" في المقابلة الفردية، تخلق الجماعات بيانات مستمدة من الأصوات المتعددة التي تشترك معاً في خلق القصة.
- مصدر فريد للبيانات
أثناء جمع البيانات في جماعات المناقشة المركزة، دينامية الجماعة هي التي تبدأ في خلق القصة. وتبدأ القصة التي تقدمها هذه الجماعة بالسيطرة على إنتاج البيانات وتوجيهها. لذلك، تعتبر مقابلات الجماعات عظيمة الفائدة في تمييز:
- اللغة التي يجدها المشاركون ذات معنى
- التعريفات والمفاهيم التي يستخدمونها
- الأطر العقلية التي يفكرون وفقاً لها
الفرق بين مقابلة الجماعة والمقابلة الفردية
|
البعد |
مقابلة فردية |
جامعات مناقشة مركزة |
|
مصدر البيانات |
علاقة ثنائية بين الباحث والمبحوث |
تفاعلات متعددة بين أعضاء الجماعة |
|
تأثير السياق |
يتأثر فقط بشخصية الباحث وعلاقة الألفة |
يتأثر بدينامية الجماعة واتجاهاتها وقيمها |
|
تغير الآراء |
نادر ما يتغير المبحوث رأيه |
الأعضاء يغيرون آراءهم بناء على ما يسود الجماعة |
|
طبيعة القصة |
يرويها فرد واحد |
تخلق بشكل جماعي |
القوة الحقيقية لجماعات المناقشة المركزة لا تكمن فقط في استكشاف ما لابد للأفراد أن يقولوه، وإنما في أنها تزودنا برؤى ثاقبة للمصادر التي تنبع منها السلوكيات والدوافع المعقدة.
مزايا الجماعة المركز:
- توليد بيانات غنية بالتفاعل الجماعة تخلق قصصاً ومعاني لا تظهر في المقابلات الفردية.
- تمييز اللغة المحلية حيث تساعد في فهم المفاهيم والتعريفات التي يستخدمها أفراد مجتمع البحث.
- تخفيف التسلسل الهرمي: الأصوات المتعددة تقلل من سلطة الباحث النسبية.
- كفاءة في جمع البيانات: إجراء مقابلات مع عدة أشخاص في وقت واحد.
التحديات الجماعة المركزة:
- هيمنة بعض الأعضاء: قد يسيطر أفراد معينون على النقاش ويقمعون آراء الآخرين
- تأثير الرغبة في التوافق الاجتماعي: قد يميل المشاركون إلى تبني آراء متوافقة مع ما يعتقدون أنه مقبول اجتماعياً
- صعوبة التحليل: تحليل التفاعلات الجماعية أكثر تعقيداً من تحليل المقابلات الفردية (تعدد الأصوات، المقاطعات، المحادثات الجانبية)
- تأثير الوسيط: شخصية الوسيط ومهارته تؤثر بشكل كبير على البيانات المنتجة
- الوصول إلى مواضيع حساسة: قد يكون من الصعب مناقشة مواضيع شخصية حساسة في سياق جماعي
- قيود لوجستية: الحاجة إلى مكان مناسب، تسجيل صوتي/مرئي جيد، وتنسيق مواعيد عدة أشخاص
التاريخ الشفاهي
ناقش الكتاب التاريخ الشفاهي كأسلوب بحثي نوعي يقوم على جمع القصص والحكايات الشخصية من خلال المقابلات. يؤكد الفصل على أن سرد القصص يمثل مكوناً طبيعياً من مكونات الخبرة البشرية، حيث يتناقل البشر المعاني من خلال الكلام. يعتبر التاريخ الشفاهي طريقة بحث حديثة نسبياً، اعتمدت كأسلوب منهجي معترف به في عام 1948 على يد المؤرخ آلان نيفينز في جامعة كولومبيا.
التمييز بين التراث الشفاهي والتاريخ الشفاهي
التراث الشفاهي:
المظلة الشاملة التي تشمل القصص المتداولة على امتداد أجيال متعددة، وقد تتضمن شخصيات أو كائنات غير بشرية مثلا: السكان الأصليين لأمريكا.
التاريخ الشفاهي الاستخدام الأكاديمي الأحدث يجمع فيه القصص الشخصية من أفراد محددين يركز على التجارب الفردية وليس الأساطير الجماعية.
أبعاد الإصغاء في التاريخ الشفاهي
يشكل الإصغاء الفعال جوهر عملية التاريخ الشفاهي ويقترح أندرسون وجاك ثلاثة أساليب للإصغاء الفعال:
- الإصغاء إلى "اللغة الأخلاقية" للشخص
الخصائص:
- تعليقات ذات طابع تقييمي ذاتي
- تكشف عن كيفية تقييم الشخص لنفسه
- تزودنا برؤى حول: ما يركز عليه المرء في حياته، كيف يستخدم التصورات الثقافية للنجاح والفشل، مواطن ثقته بنفسه
مثال: امرأة تتحدث عن حفلة عيد ميلاد وتصف التورته بأنها "جميلة ولذيذة" لكنها تشعر "بالذنب لالتهامها مقداراً كبيراً". هذا الشعور بالذنب يكشف عن علاقة الشخص بالمعايير الثقافية حول الطعام والجسد.
القيمة التحليلية: تتيح لنا هذه اللغة الأخلاقية فحص العلاقة بين مفهوم الشخص عن نفسه والمعايير الثقافية، والعلاقة بين ما نقدره وما يقدره الآخرون، والعلاقة بين الطريقة التي طلب منا التصرف وفقاً لها والطريقة التي نشعر بها عندما نتصرف أو لا نتصرف وفقاً لما طلب منا.
- الإصغاء إلى "منطق الرد"
الخصائص:
- الانتباه لمظاهر الاتساق والتناقض
- تحديد الأفكار المحورية التي يتكرر ورودها
- فهم المسلمات التي يؤمن بها المبحوثون والتي تشكل أسلوبهم في تفسير خبراتهم الحياتية الشخصي
الأسئلة التي يطرحها هذا النوع من الإصغاء:
- ما هي الأفكار والاعتقادات والقيم والأحكام الخلقية التي ترتكز عليها عمليات التفسير والسرد لدى المبحوث؟
- كيف تصل الأفكار المحورية داخل القصة ببعضها البعض؟
- الإصغاء إلى النفس
الأهمية:
- يمثل جزءاً حاسماً من عملية الإصغاء في مقابلات التاريخ الشفاهي
- الانتباه للمشاعر والأمور التي تحير الباحث وتساؤلاته
- هذه المجالات قد تحتاج إلى الإيضاح والتعمق والاستكشاف
- لا تقاطع الراوي للحصول على إجابات، فالعمل الأساسي هو الإصغاء
أبنية السرد
تحدد إيتر لويس ثلاثة أساليب كبرى للسرد يمكن أن يقابلها الباحث أثناء إجرائه لمقابلات التاريخ الشفاهي:
- السرد الموحد: شرح ذو تسلسل زمني يظل مركزاً على الموضوع يقدم أمثلة عميقة الدلالة: الكلمات والعبارات مرتبطة بفكرة محورية، يرى الموضوع بوضوح ولديه إجابة واضحة.
- السرد المفكك او المجزأ: يبدو بعيداً عن الموضوع في البداية قد يكون الشخص لم يحظ بفرصة التأمل في خبراته و الكشف عن مكنون النفس يتم من خلال الحوار الشفاهي و هي عملية جوهرية لاكتشاف النفس يرتبط بالذين حرموا من الوصول إلى الأدوات الاجتماعية لتشكيل قصص حياتهم (بسبب العرق، الطبقة)
- السرد الحواري : نوع من التفاوض والأخذ والرد يتم التعبير عنه من خلال الكلمات قد يعكس عملية الإفصاح عن المكنون وإطلاع الآخرين عليه
يضيف المؤلفون فئة رابعة هي السرد العَرَضي (كما يسميه كوهلر-رايسمان)، حيث يروي المبحوث قصته بوصفها أحداثاً عارضة داخل حياته، تعتمد على الأفكار الأساسية أكثر من اعتمادها على نظام زمني متسلسل.
-الطريقة التي يتبعها المبحوث في رواية حكايته قد تتأثر بعوامل متعددة: العرق، الطبقة، النوع الاجتماعي، التعليم، العمل، الموقع الجغرافي.
قضايا التعاون والسلطة في التاريخ الشفاهي
مفهوم السلطة المشتركة:
صاغ مايكل فريش هذا المصطلح للإشارة إلى إحدى القضايا البارزة في عملية التاريخ الشفاهي: مدى كون مقابلة التاريخ الشفاهي ذات طابع تعاوني أو سلطوي.
الأسئلة الجوهرية:
- من هو مؤلف التاريخ الشفاهي؟
- من له سلطة على البيانات؟
- هل يتم تقاسم السلطة بين الباحث والراوي ؟
الرابطة بين "مؤلف" و"سلطة": يشير فريش إلى أن كلمة "مؤلف" وكلمة "سلطة" تشتركان في الجذر اللغوي نفسه، مما يكشف عن تشبع مفهوم التأليف بالقوة السياسية. فالشخص الذي يفسر القصة ويصوغها ويقدمها هو الذي يتحكم في بناء المعرفة.
أرشفة مواد التاريخ الشفاهي
أهمية الأرشفة (حسب الجمعية التاريخية الأمريكية): اتخاذ الترتيبات اللازمة لوضع مقابلات التاريخ الشفاهي في الأرشيف يُعد جزءاً من البحث الملتزم بالأخلاق.
المخاطر المرتبطة بالأرشفة:
- معرفة المبحوث بأن مادة المقابلة سوف تتم أرشفتها قد تؤثر على سرده لحكايته.
- هذا ينطبق خصوصاً على السجلات التي لم تراجع قبل الأرشفة (الصياغة الأولية)
- الرواة يفترضون ضمناً أن ما يقولونه سوف يتم توثيقه وإتاحته للاطلاع بشكل دائم
البحث الاثنوجرافي الذاتي
عبارة عن عناصر من البحث، والكتابة، والقصة، والطريقة التي تربط كل ما هو متعلق بكتابة السيرة الذاتية وكل ما هو شخصي بما هو ثقافي، واجتماعي، وسياسي"
الخصائص:
- إبراز ما هو محسوس وواقعي من الأعمال، العواطف، الوعي بالذات.
- تصور هذه الأمور في الحوار، والمشاهد، وخلق الشخصيات الروائية وحبكة القصة.
- استعمال ما هو متبع في الكتابة الأدبية من أعراف ومصطلحات.
المزايا:
- استخدام خبراتنا وأفكارنا ومشاعرنا وعواطفنا الشخصية كبيانات لفهم العالم الاجتماعي
- ربط قصص حياتنا الشخصية بالمجتمع الأكبر
- يمكن أن يكون مصدر قوة للباحث-المبحوث
التحذيرات:
- عملية مرهقة عقلياً وانفعالياً
- لا يمكن أبداً أن نكون مستعدين استعداداً تاماً لما قد يفاجئنا به السارد
- لا يمكن إعداد الرواة الإعداد الواجب لكافة الانفعالات الممكنة التي قد تتدفق من جراء روايتهم لقصة حياتهم
العمل الميداني والملاحظة بالمشاركة
يتناول الكتاب العمل الميداني والملاحظة بالمشاركة كأحد أهم طرق جمع البيانات في البحث الكيفي. يركز الفصل على الجوانب العملية للدخول إلى الميدان، وأنواع الأدوار التي يمكن أن يتخذها الباحث، وقضايا العلاقات الميدانية، والصعوبات الأخلاقية والعاطفية المرتبطة بالعمل الميداني الطويل الأمد، وأخيراً عملية مغادرة الميدان.
الدخول إلى الميدان
- القائم بالأعمال كمفتاح للدخول: فرد أو مؤسسة يمكنها منح الباحث الإذن بالدخول إلى موقع البحث.
مثال وليام فوت وايت (Whyte, 1981) في "كورنرفيل":
استطاع وايت الدخول إلى مجتمع "كورنرفيل" (حي فقير في بوسطن) من خلال علاقته بـ"الدوك" – وهو قائد عصابة محلية، لاحظ وايت أن الاعتماد على "قائم بالأعمال" واحد (كطبيب أو زعيم ديني) قد يحد من رؤيته للواقع الاجتماعي، لذلك بحث عن حلفاء آخرين: "بينما كنت أعمل في ظل صلتي الوثيقة بالطبيب أكثر من أي فرد آخر، فإني كنت أبحث دائماً عن القائد في أي جماعة كنت أدرسها. ذلك أنني لم أكن في حاجة لرعابته وحده، بل كنت – كذلك – في حاجة إلى التحالف والتعاون الأكثر فعالية مع هذه الدراسة"
الدروس المستفادة:
- بوابة الدخول تؤثر على طبيعة البيانات التي سيتم جمعها
- الاعتماد على حارس بوابة واحد يخلق تحيزاً
- يجب البحث عن مصادر متعددة وحلفاء متنوعين داخل المجتمع
- الخلفية الاجتماعية للباحث كعامل مساعد أو معيق
قد تسهل أو تعيق الصفات الاجتماعية للباحث (العمر، النوع الاجتماعي، الطبقة، الخلفية العرقية) عملية الدخول إلى الميدان.
مثال أندرسون في حانة "جيلي" (Jellys):
نجح أندرسون في الدخول إلى حانة جيلي (حانة سوداء) لأنه رجل أمريكي أسود – يشارك الحضور في بعض الصفات الأساسية (نفس العرق ونفس النوع) ومع ذلك، كان هناك جانبان كان ينظر إليه فيه كغريب: تعليمه الجامعي (أعلى من الحضور)، وكونه باحثا هذا المزيج من "القريب" و"الغريب" ساعده وعرقله في نفس الوقت، كما يمكن للصفات الاجتماعية أن تجعل الباحث يبدو "واحداً من الأقارب" أو "غريباً". وفي أي موقع معين، قد يقوم الباحث بكلا الدورين (القريب والغريب) في آن واحد. تعتمد أهمية الصفات الاجتماعية على مدى توافقها مع الصفات الموجودة في مجتمع البحث.
أدوار الباحث في الملاحظة بالمشاركة
|
الدور |
درجة المشاركة |
درجة الملاحظة |
الخصائص |
|
المشارك الكامل |
عالية جداً |
منخفضة |
يندمج تماماً في المجتمع، وقد لا يعرف الأعضاء أنه باحث أقصى درجات الخفاء |
|
المشارك كملاحظ |
عالية |
متوسطة |
يشارك في الأنشطة، لكن هويته كباحث معروفة |
|
الملاحظ كمشارك |
متوسطة |
عالية |
هويته معروفة، لكن مشاركته محدودة يتفاعل دون اندماج كامل |
|
الملاحظ الكامل |
منخفضة جداً |
عالية جداً |
لا يشارك في الأنشطة، وقد لا يعرف الأعضاء أنه يراقبهم؛ أقصى درجات البعد |
المراوغة بين الأدوار
الواقع الميداني أكثر تعقيداً من التصنيفات الجامدة. يجد الباحثون أنفسهم غالباً يتراوحون بين الأدوار حسب الموقف والسياق. في بعض اللحظات يكونون مشاركين كاملين، وفي لحظات أخرى ملاحظين فقط.
الباحث كأداة للبحث
في الملاحظة بالمشاركة، الباحث نفسه هو أداة القياس. وهذا يعني أن:
- مشاعره، انفعالاته، ردود أفعاله، وتحيزاته تصبح جزءاً من البيانات
- يجب أن يكون واعياً لكيفية تأثير وجوده على الموقف الذي يدرسه
- التأمل الذاتي ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة منهجية
كلما زاد انغماس الباحث في المجتمع، زادت ثراء البيانات، لكنه في نفس الوقت يخاطر بفقدان "منظوره" كباحث
ذكر الكتاب جزء مهم جدا للباحث في الملاحظة بالمشاركة وهي: أن مغادرة الميدان هي أصعب مرحلة.
مثال معضلة كوندو (Kondo, 2001) – المصنع الياباني
أمضت كوندو (باحثة يابانية أمريكية) قرابة ثلاث سنوات في مصنع حلويات في طوكيو، تدرس فكرة أن "المصنع الياباني يشبه العائلة". واجهت صعوبة بالغة في المغادرة
ما لم يكن الإثنوجرافي على استعداد لأن يصبح شخصاً مختلفاً، فإن عمله الميداني مهدد بأن يتحول إلى تمثيل دور وليس إلى دمج واندماج حقيقيين. لكن إن كان مستعداً لذلك، فإن عمله هذا قد يغير من هويته بطرق لا يمكن التنبؤ بها أثناء العمل الميداني وبعده.
نقطة التشبع:
ليس من السهل تحديد متى يجب إنهاء العمل الميداني. لكن توجد نقطة "تشبع" حيث لا يعود الباحث يجد جديداً في الموقع. قد يصل الباحث إلى درجة يشعر فيها "أنه إن لبث أي مدة أكثر من ذلك، فقد يبدأ بفقدان منظورك البحثي".
التحديات الأخلاقية والعملية في الملاحظة بالمشاركة
- مسألة الإغراق في المشاركة
المشاركة العميقة قد تؤدي إلى: فقدان المنظور الأكاديمي النقدي- التحول إلى "مدافع" عن المجتمع بدلاً من "باحث"- صعوبة في المغادرة (عاطفياً)- تغيير هوية الباحث بطرق لا يمكن التنبؤ بها
- التوازن بين المشاركة والملاحظة
كيف تحافظ على مسافة نقدية كافية مع الحفاظ على ألفة كافية للوصول إلى البيانات العميقة؟ هذا هو القضية الأساسي في الملاحظة بالمشاركة.
- مسألة الوصول إلى السكان المهمشين أو الخطرين
في دراسته لـ"كورنرفيل"، واجه وايت نقاداً اتهموه بأن عمله قد يساعد السلطات على "مراقبة" هؤلاء السكان الفقراء. هذا يثير سؤالاً عميقاً: هل العمل الميداني الاثنوجرافي، بوصفه شكلاً من أشكال "المراقبة"، يمكن فصله عن ممارسات القوة والضبط الاجتماعي؟
- سرية هوية الموقع/المبحوثين مقابل الحقيقة الاثنوجرافية
يحافظ العديد من الإثنوغرافيين على سرية هوية المواقع والأفراد الذين يدرسونهم. لكن بعضهم يجادل بأن إخفاء الهوية يسهل على الجماعات القوية تجنب المراقبة والمساءلة.
كما ناقش الكتاب الاستنتاجات التالية:
- الدخول إلى الميدان ليس مجرد خطوة أولى تقنية – بل هو عملية تفاوض مستمر حول الهوية والعلاقات والثقة. "قائم الأعمال" ليس مجرد مفتاح، بل يحدد نوع البيانات التي ستجمعها
- الباحث هو أداة البحث – الملاحظة بالمشاركة تتطلب تأملاً ذاتياً مستمراً. مشاعر الباحث، ردود أفعاله، تحيزاته، ليست عوائق يجب تجنبها، بل هي بيانات يمكن تحليلها.
- الأدوار في الميدان مرنة وسائلة– لا يمكن الالتزام بشكل صارم بدور "المشارك الكامل" أو "الملاحظ الكامل". يتراوح الباحث بين الأدوار حسب الموقف.
- الاندماج سلاح ذو حدين – كلما زاد عمق العلاقات، زادت ثراء البيانات، لكن صعوبة المغادرة تزداد بشكل كبير. قد يغير العمل الميداني الطويل الأمد هوية الباحث نفسه.
- مغادرة الميدان مشكلة منهجية، وليست مجرد مسألة لوجستية– تحديد "نقطة التشبع" المناسبة للمغادرة، والتعامل مع مشاعر الإخباريين المعتمدين على الباحث، والتفاوض حول شكل العلاقة بعد انتهاء المشروع، كلها قضايا جوهرية.
- المشاركة الكاملة (التخفي) تثير مشاكل أخلاقية خطيرة– لأنها تنطوي على خداع المبحوثين حول هوية الباحث الحقيقية.
تحليل المضمون وطرق البحث غير التداخلية
تطرق الكتاب الى البحث غير التدخلي وتحديداً تحليل النصوص والوثائق والمواد المرئية كطرق لجمع البيانات لا تتطلب تفاعلاً مباشراً بين الباحث والمبحوثين. تشمل هذه المواد: المجلات، الصحف، الكتب، الإعلانات، البرامج التليفزيونية، الأفلام السينمائية، مواقع الإنترنت، والمذكرات الشخصية. يتميز هذا النوع من البحث بأنه لا يؤثر على الظاهرة المدروسة، ويمكن من خلاله دراسة فترات زمنية طويلة، وتحليل محتوى لا يمكن الوصول إليه بطرق أخرى.
أولاً: تحليل المضمون
نشأ تحليل المضمون في مجال الصحافة ثم امتد ليشمل مواد إعلامية أخرى. يستخدم الباحثون من خلاله "النصوص" كنقطة انطلاق للقيام بالمزيد من الفحص النقدي للقوة الاجتماعية
مثال مالكين، ورنيان، وكريزلر (Malkin, Wornian & Chrisler, 1999)
توصل الباحثون إلى أن وسائل الاتصال الجماهيرية لا تقتصر على تصوير الصور المثالية لوزن الجسم وشكله، بل تقوم أيضاً بفرض معايير مرتبطة بالنوع الاجتماعي تؤدي إلى اختلافات بين الجنسين في معدل تكرار بعض السلوكيات.
ثانياً: تحليل المواد السمعية والبصرية
دراسة لوزن ودوزييه (Lauzen & Dozier, 2002) – البرامج التليفزيونية
قاما بتحليل محتوى 104 برنامجاً تليفزيونياً بثت على الهواء خلال عامي 1999-2000 من أجل فحص:
- أعداد وأنماط التعليقات التي جرت على شخصيات الرجال والنساء والمتعلقة بالمظهر الجسدي
- ما إذا كان للنوع الاجتماعي لكتاب البرامج تأثير على مقدار وأنواع التعليقات التي تناولت مظهر الجسد
توصل الى النتائج الرئيسية:
- الشخصيات النسائية تتلقى قدراً أكبر من التعليقات الخاصة بالمظهر الجسدي من كل من الشخصيات النسائية والرجالية على حد سواء
- طبيعة التعليقات الموجهة للنساء تختلف عن تلك الموجهة للرجال
- توظيف الكاتبات في كتابة البرامج تسبب في زيادة العدد الكلي لما جرى من تعليقات خاصة بالمظهر الجسدي
التفسير النظري:
اقترح الباحثان أن انشغال النساء الكاتبات بالمظهر الجسدي قد يعكس محورية المظهر والجمال في حياة جميع النساء. فالنساء يتم تنشئتهن اجتماعياً على نحو يعطي أولوية للاهتمام بالمظهر الجسدي، لذلك يكتبن ما يعلمنه، فيقمن بإدماج أمور المظهر الجسدي كجانب مهم - بل ومحوري - من جوانب حياة الشخصيات النسائية والرجالية على حد سواء.
ثالثاً: التحليل السيميائي
تعني علم العلامات– مشتقة من الكلمة اليونانية Semeion التي تعني علامة. تقوم السيميولوجيا – وهي الدراسة العامة للعلامات في الحياة الاجتماعية (Saussure, 1959) – على فكرة أن المعنى لا يتم بناؤه من عنصر واحد فقط من عناصر النص بمفرده، بل كذلك من خلال الطريقة التي تنتظم بها عناصر النص في علاقتها ببعضها (خالقة بذلك مختلف المضامين أو المعاني).
منهجية التحليل
تركز التحليلات السيميولوجية للنصوص على كشف العمليات الاجتماعية لصنع المعنى. بإدخالنا في الاعتبار أن المفكرين ما بعد الحداثيين يتصورون وجود "أزمة في التعبير" ناجمة عن التدفق المتلاحق للصور والنصوص داخل الثقافة الشعبية، فإن هذا النوع من البحوث تزداد شعبيته باضطراد، وبالذات بين المهتمين بدراسات وسائل الاتصال.
علاقة السيميولوجيا بتحليل المضمون
استخدام التحليل السيميولوجي يختلف عن استعمال تحليل المضمون، فالتحليل السيميولوجي يركز على:
- قراءة النصوص ككل متكامل، لا كمجرد عناصر قد تحصى
- الكشف عن العمليات الاجتماعية لصنع المعنى، وليس فقط عن تواتر ظهور فئات معينة
- الاهتمام بالكيفية التي تولد بها العلامات المعاني من خلال علاقاتها الداخلية
رابعاً: طرق البحث غير التدخلية
يرى إيرل بابي أن الطرق غير التدخلية هي طرق لدراسة السلوك الاجتماعي دون التأثير فيه. ويقسمها إلى ثلاث فئات:
- تحليل المحتوى
- تحليل الإحصاءات الموجودة
- التحليل التاريخي المقارن
في وقتنا الحاضر، يستعمل مصطلح "النص" بمزيد من التوسع ليستوعب تلك الطائفة من الوسائط التي تظهر فيها النصوص الثقافية.
تأثير المفاهيم الجديدة للحقيقة:
على امتداد العقود القليلة الماضية، أدت المفاهيم العلمية الجديدة لطبيعة الحقيقة الاجتماعية ولطبيعة البحث الاجتماعي إلى زيادة تدقيق وتحسين طرق البحث غير التدخلية. على وجه الخصوص، الانتقادات التي وجهها مفكرو ما بعد الحداثة ومفكرو ما بعد البنيوية قد أثرت على ممارسة طرق البحث غير التدخلية وذلك بتغيير المنظور الفكري الذي من خلاله يمارس كثير من الباحثين طرق بحثهم.
كما ناقش الكتاب هيمنة الطب الحيوي ومحدودية المعرفة الاجتماعية
يظهر تاريخ البحث في مرض نقص المناعة البشرية الإيدز أن قاعدة المعرفة المعرفية كانت محدودة جداً. السبب الرئيسي: معظم البحوث كانت تجري بمعرفة علماء الطب الحيوي، وكان القليل من هذه البحوث هو الذي يتم بمعرفة العلماء الاجتماعيين وحدهم.
الإسهام الأساسي لعلوم الاجتماع
من الأمور الأساسية التي أسهمت بها بحوث علوم: الأنثروبولوجيا، والنفس، والاجتماع في اطلاعنا على هذه القضية وإرشادنا إلى الطريقة التي نستحدث بها البرامج الوقائية الفعالة، وذلك من خلال الكشف عن أمر أساسي وهو أن الاتصال بين طرفي العلاقة الجنسية يعد عنصراً حاسماً من عناصر الممارسات الجنسية المحفوفة بالمخاطر، هذا الكشف حول أهمية الاتصال لم يكن ممكناً دون المقاربة الكيفية التي تستكشف ديناميات العلاقات الإنسانية من الداخل.






