لماذا تعاني المرأة من مشاكل نفسية واجتماعية بنسبة اكبر من الرجل
تتناول هذه المقالة الأسباب التي تجعل النساء يعانين من مستويات أعلى من الاضطرابات النفسية والاجتماعية مقارنة بالرجال من منظور بيولوجي واجتماعي وثقافي، مع قراءة فلسفية وسيكولوجية تربط بين المسؤوليات والأدوار والقيمة الذاتية لكل طرف.
تشير العديد من الدراسات والأرقام في المملكة العربية السعودية وحول العالم إلى أن نسبة النساء الواتي يعانين من حالات القلق والاكتئاب وبعض الاضطرابات الاجتماعية أكبر من نسبة الرجال. يثير هذا الواقع تساؤلات عميقة حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الفجوة وهل هي نتيجة ضعف جوهري لدى المرأة أم انعكاس لتفاعلها مع المجتمع والبيئة. موضوع هذا المقال ليس للانتقاص من قيمة المرأة أو رفع الرجل فوقها، بل للبحث عن فهم متوازن يراعي الفروق البيولوجية والأدوار الاجتماعية وتقدير القيمة التي تضيفها المرأة للرجل والبيئة التي تحيا فيها.
اختلافات بيولوجية وفسيولوجية
لا يمكن إنكار دور العوامل البيولوجية والفسيولوجية في تكوين شخصية المرأة وصحتها النفسية. فالهرمونات التي تتغير مع الدورة الشهرية والحمل والولادة تؤثر في المزاج والاستقرار العاطفي. كذلك تشير بعض الدراسات إلى أن المرأة أكثر حساسية لبعض الضغوط بسبب التركيبة العصبية التي تجعلها تستجيب بشكل أقوى للمثيرات. هذه العوامل لا تعني أن المرأة أضعف، لكنها تفسر جانبًا من الاختلاف في التجربة النفسية بين الجنسين وتتطلب تفهمًا ودعمًا من الرجل والأسرة.
الضغوط الاجتماعية والتوقعات الثقافية
يضاف إلى العوامل البيولوجية حمل ثقيل من الضغوط الاجتماعية التي تُلقى على كاهل المرأة. يتوقع منها أن تكون زوجة مثالية، أمًا حنونة، موظفة ناجحة، وواجهة مشرقة للعائلة في الوقت نفسه. هذه الأدوار المتعددة والمطالب المتضادة تولد ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا يشعرها بأن أي تقصير يعني الفشل. في مجتمع يقدر السمعة والامتثال، قد تجد المرأة نفسها محاصرة بين رغبتها في إثبات ذاتها وخوفها من الحكم عليها. وبالتالي تزداد معدلات القلق والشعور بالوحدة لأنها لا تجد مساحة للتعبير عن الصعوبات دون تلقي اللوم.
التعبير عن المشاعر والإحصائيات المخفية
من العوامل التي تجعل الإحصائيات تميل إلى ارتفاع مشاكل النساء مقارنة بالرجال طريقة التعبير عن المشاعر وطلب المساعدة. المرأة في العادة لا تتردد في الحديث عن همومها، بينما يتجنب كثير من الرجال الاعتراف بالضعف أو الحاجة للدعم بسبب ضغط صورة الرجولة. لذلك تظهر أرقام النساء مرتفعة بينما تظل معاناة كثير من الرجال غير مرئية. هذا لا يعني أن المرأة تبالغ، بل يبيّن أنها أكثر صراحة في مواجهة الألم، وأنّ الرجال بحاجة إلى تعلم مشاركة مشاعرهم حتِى تتضح الصورة الحقيقية ويجد كلا الطرفين المساندة المناسبة.
القيمة المتبادلة وأهمية التوازن
حين نتطرق إلى موضوع الصحة النفسية والاجتماعية لا يمكن تجاهل السؤال الأساسي: ما القيمة التي يقدمها كل طرف للآخر؟ على المرأة التي تطالب بالرعاية والاهتمام أن تسأل نفسها إن كانت تضيف قيمة لزوجها تعادل ما تطلبه، فالشراكة السليمة تقوم على تكافؤ العطاء. الرجل في المقابل يجب أن يدرك حساسية زوجته ويدعمها دون النظر إلى ما يحصل عليه فقط، لأن استقرارها النفسي ينعكس على الأسرة كلها. النظرة الفلسفية المنصفة ترى أن التوازن بين الحقوق والواجبات والانتماء الأخلاقي هو الأساس، وأن شعور المرأة بقيمتها يقلل من مشاكلها ويزيد من قدرتها على مواجهة الضغوط.
الفروق في معدلات المشاكل النفسية والاجتماعية بين النساء والرجال هي نتيجة شبكة معقدة من العوامل البيولوجية والاجتماعية والثقافية. فهم هذه التعقيدات والاعتراف بأن كلا الطرفين يحمل عبئًا مختلفًا يمكن أن يقود إلى رحمة متبادلة وتقدير أعمق. المرأة ليست ضحية خالصة ولا الرجل جبارًا لا يعاني، بل هما شريكان يحتاجان إلى تواصل صادق، توزيع عادل للمهام، ورؤية فلسفية تركّز على تنمية القيمة الذاتية لكل منهما. عندها يكون المستقبل أكثر صحة واستقرارًا للجميع.






