القلق: الوباء الصامت

يتناول المقال تحول القلق من استجابة طبيعية نافعة تحمي الإنسان من الخطر إلى حالة مزمنة تغذيها ضغوط الحياة الحديثة، والمقارنات الاجتماعية، والتعرض المستمر للمحتوى الرقمي. كما يوضح الفرق بين القلق الطبيعي، واضطراب القلق العام، والتهويل بوصفه نمطا ذهنيا يدفع الإنسان إلى توقع أسوأ الاحتمالات، مع تمهيد لقراءة انتشار اضطرابات القلق في السعودية والعالم وسبل التعامل معها.

القلق: الوباء الصامت
القلق ... الوباء الصامت


مدخل

غالبا ما كان يقلق على أشياء يستطيع لمسها: المطر إن تأخر، المحصول إن أصابه آفة، الابن إن طال غيابه في سفر بعيد. كان قلقه محددا له بداية ونهاية، وغالبا ما يكون له سبب يمكن زواله.

اليوم، حفيد هذا الجد يحمل هاتفا في جيبه يعرض له، في كل دقيقة، حياة افتراضية لا يعيشها، وصفات جسدية لا يمتلكها، وأموالا لا يحلم بها، ومستقبلا لا يستطيع التنبؤ به. يقلق هذا الحفيد على عدد المعجبين بصورته، وعلى ترتيبه بين زملائه، وعلى مظهره في عين جمهور لا يعرفه.

القلق هو نفسه — استجابة نفسية وذهنية وبيولوجية قديمة تتفعل في الدماغ منذ آلاف السنين لحماية الإنسان من الخطر. لكن وقوده تغير، ومصدره تبدل، وحول ما كان وسيلة للبقاء إلى ما يشبه الحالة الدائمة.

في هذا المقال، نقرأ هذا التحول من زاويتين: أرقام تقول إن اضطرابات القلق من الأكثر شيوعا في المملكة العربية السعودية وفي العالم اليوم، وفرضية تحاول أن تفسر سبب ذلك. وفي الختام، نسأل: ماذا نفعل؟

أولا: ما هو القلق؟ ومتى يصبح مرضا؟

قبل الأرقام، يستحق المفهوم نفسه شيئا من التوضيح. القلق ليس عيبا، وليس ضعفا، وليس فشلا أخلاقيا. القلق في أصله نعمة بيولوجية — استجابة "الكر والفر" (fight-or-flight) التي تطورت في الإنسان لإنقاذه من الحيوانات المفترسة، ولاستعداده للمعارك، ولتجنب المخاطر.

الذي يتغير بين الصحة والمرض ليس وجود القلق، بل شدته، ومدته، وتناسبه مع المثير الحقيقي.

نميز سريريا بين ثلاثة مستويات:

القلق الطبيعي (Adaptive Anxiety)

هو شعور عابر بالتوتر قبل امتحان، أو مقابلة، أو حدث مهم. يدفع صاحبه إلى التحضير والاستعداد، وينتهي مع انتهاء المثير. هذا قلق نافع.

اضطراب القلق العام (Generalized Anxiety Disorder – GAD)

هو حالة مزمنة يقلق فيها الإنسان قلقا مفرطا، يصعب التحكم به، على أمور متعددة في حياته اليومية: صحته، عمله، أسرته، ماله، مستقبله.

وفقا لمعايير الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، يشخص الاضطراب حين يستمر القلق ستة أشهر على الأقل، ويصاحبه ثلاثة أعراض أو أكثر، مثل: التوتر العضلي، الإرهاق السريع، صعوبة التركيز، التهيج، اضطراب النوم.

التهويل (Catastrophizing)

هو نمط ذهني مشوه يجعل الدماغ ينحاز تلقائيا نحو أسوأ احتمال، حتى في غياب الأدلة الكافية. الإنسان الذي يعاني منه يقرأ تأخر زوجته دقيقتين على أنه حادث، أو يقرأ رسالة مقتضبة من مديره على أنها مقدمة للفصل. هذا النمط هو الوقود (المشغل) المعرفي للقلق المزمن.

ولعلّ من أصعب صور هذا الاضطراب أن كثيراً من المصابين به لا يعرفون أنّهم مرضى أصلاً. عاشوا القلقَ سنواتٍ طويلة، حتى ظنّوه طبعاً فيهم، أو سمةً لا تنفصل عن شخصياتهم. يصفون أنفسهم بأنهم «حسّاسون» أو «طبعهم القلق» أو «دائماً يفكّرون كثيراً»، دون أن يخطر لهم أن خلف هذا الوصف اضطراباً قابلاً للتشخيص والعلاج. وفي الأدبيات السريرية يُسمَّى هذا النمط Ego-Syntonic Anxiety — حين يندمج العَرَض بالذات حتى يَتعذّر تمييزه عنها. وهنا تكمن إحدى أكبر فجوات العلاج: ليس فقط أن المريض لا يصل إلى الطبيب، بل أنه لا يعرف أنه يحتاج طبيباً.

في الحالة المرضية، يتحوّل القلق من حارسٍ يحمي صاحبه إلى سجّانٍ يقيّده. يُنشَّط جهازه العصبي الودّي تنشيطاً مستمراً، فيرتفع الكورتيزول، ويختلّ النوم، ويضعف الجهاز المناعي، وتظهر أعراضٌ جسدية كاضطراب القولون، والصداع، وآلام الصدر، وضيق في التنفس. تبدأ الحياة تضيق على صاحبها، ويتجنّب المواقف، وتتراجع علاقاته، ويُصبح عمله عبئاً ثقيلاً عليه.

ثانياً: الصورة السعودية — أرقامٌ تستحق التأمّل

حين نتحدّث عن القلق في المملكة العربية السعودية، نتحدّث عن الاضطراب النفسي الأكثر انتشاراً بين السعوديين. ليس الاكتئاب، ليس الإدمان، ليس أيّ شيء آخر. القلق.

في عام 2020، صدرت نتائج المسح الوطني السعودي للصحة النفسية (SNMHS)، وهو أول مسحٍ وبائيٍّ وطنيٍّ شاملٍ لهذا المجال في المملكة. شمل 4,004 سعودياً من جميع المناطق، أعمارهم بين 15 و65 عاماً. كانت النتيجة صادمة: 23.2% من السعوديين عانوا من اضطراب قلقٍ ما خلال حياتهم، وهي نسبة تجعل اضطرابات القلق متصدّرةً قائمة الاضطرابات النفسية في المملكة، تليها اضطرابات السلوك التخريبي (11.2%)، ثم اضطرابات المزاج (9.3%).

وحين نتعمّق في التفاصيل، نواجه ملاحظةً مدهشة وفريدة للمجتمع السعودي: اضطراب قلق الانفصال (Separation Anxiety) هو أكثر اضطرابات الصحة النفسية انتشاراً في المملكة بنسبة 11.9%، يليه اضطراب نقص الانتباه/فرط الحركة (8.0%)، ثم الاضطراب الاكتئابي الرئيسي (6.0%)، فالرهاب الاجتماعي (5.6%)، ثم الوسواس القهري (4.1%). هذا النمط يختلف عن الأنماط العالمية حيث يتصدّر الاكتئاب أو الرهاب الاجتماعي في معظم المجتمعات. تفسير هذا الفرق يستحق بحثاً مستقلاً، لكنه يُشير إلى دور بنية الترابط الأسري في المجتمع السعودي — حيث يعيش الأبناء مع والديهم لسنواتٍ أطول، وتظلّ الروابط الأسرية أعمق وأكثر امتداداً في الزمن. حين تواجه هذه البنية الحميمة تحولات سريعة (سفر، زواج، انفصال جسدي)، يستجيب الجهاز العصبي بقلقٍ من نمطٍ خاص يختلف عن المجتمعات الفردية.

وحين نضيق العدسة على الشباب — وهم الفئة الأهم في رؤية المملكة 2030 — يصبح الرقم أكبر. دراسة نُشرت في Scientific Reports عام 2023، استناداً إلى بيانات المسح الوطني، أفادت بأن 40.1% من الشباب السعودي (15-30 عاماً) عانوا من اضطرابٍ نفسيٍّ خلال حياتهم، واضطرابات القلق وحدها بلغت 26.84% بينهم. أي أن أكثر من ربع شبابنا قد عرفوا القلق المرضي في مرحلةٍ ما من حياتهم.

ثم جاءت جائحة كوفيد-19، فأضافت طبقةً جديدة. دراسةٌ نُشرت في Cureus عام 2023، شملت 4,714 سعودياً، وجدت أن 29% من المستجيبين كانوا يعانون من قلقٍ متوسطٍ إلى شديد وفقاً لمقياس GAD-7 المعتمد دولياً. وفي عام 2022، أفاد المسح الوطني للفحص الذي شمل 6,015 سعودياً بأن 12.4% من السكان كانوا في خطر الإصابة باضطراب القلق العام، مع 12.7% في خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب.

ثم تأتي الأرقام الأحدث من المسح الوطني للصحة 2024، والتي حلّلتها دراسةٌ مهمة نُشرت عام 2025 جمعت أربع قواعد بيانات وطنية. خلصت إلى نتيجةٍ متوقّعة لكنها قاسية: معدلات الاكتئاب والقلق مرتفعةٌ باستمرار عبر الفئات السكانية المختلفة، مع تفوّق واضح بين النساء والمراهقين والمصابين بأمراض مزمنة.

لكنّ الأرقام التي تستحق التوقّف الحقيقي هي تلك المتعلّقة بفجوة العلاج. وفقاً للتقرير التقني الرسمي للمسح الوطني السعودي، 83% من السعوديين المُشخَّصين باضطراباتٍ نفسيةٍ حادة لا يسعون لأي نوع من العلاج، و5% فقط من السعوديين يسعون لتلقي العلاج لاضطراباتهم النفسية خلال السنة. ومن بين الذين يلجؤون للعلاج، 8.5% يقصدون رجال الدين والمعالجين غير الطبيين بدلاً من الاختصاصيين. وفي الدراسة الوطنية للفحص (2022)، 0.5% فقط من السكان يتلقّون علاجاً للقلق، بينما 12.4% منهم معرّضون له.

هذه الأرقام تعني أن الأغلبية الساحقة من المصابين — وهم بمئات الآلاف — يحملون قلقهم وحدهم، يقاومونه بصمت، أو يتعايشون معه دون اسمٍ ودون فهمٍ ودون أمل. الفجوة الحقيقية ليست في عدد المصابين فحسب، بل في عدد الذين تُركوا بلا يدٍ ممدودة.

ولفت التقرير الرسمي ملاحظةً أخرى تستحق التأمّل: اضطرابات الصحة النفسية أكثر شيوعاً بين السعوديين الأعلى تعليماً. فبين الحاصلين على 7-15 سنة من التعليم، تصل النسبة إلى 37-38%، بينما تقلّ إلى 19% فقط بين من قضوا 0-6 سنوات تعليمية. هذا النمط يُلقي ظلالاً من الشكّ على المقولة الشعبية بأن "الجاهل أهنأ" — أو ربما يُشير إلى أن التعليم لا يحمي من القلق، بل يفتح الباب لأنواع جديدة منه: قلق التحصيل، قلق المستقبل، قلق المقارنة المهنية.

ثالثاً: الصورة العالمية — السعودية ليست استثناء

قد يظنّ القارئ، وهو يقرأ هذه الأرقام السعودية، أن في الأمر خصوصيةً محلية. الحقيقة أن العكس صحيح: ما يحدث في المملكة هو انعكاسٌ لظاهرة عالمية متسارعة.

دراسة العبء العالمي للأمراض (Global Burden of Disease — GBD 2019)، التي نُشرت عام 2023، تتبّعت اضطرابات القلق في 204 دولة. النتيجة: 301 مليون شخص حول العالم يعانون من اضطراب قلق، وهي زيادةٌ تتجاوز 55% منذ عام 1990. وفي إصدار GBD 2021، نُشر العام الماضي، ارتفع معدّل الانتشار المعياري للعمر 18% خلال العقود الثلاثة الماضية.

ثم جاءت دراسة مفصلية نُشرت في مجلة The Lancet عام 2021 بقيادة الباحثة Santomauro وفريقها. حلّلت بيانات 204 دول لقياس أثر جائحة كوفيد-19 على الصحة النفسية، وخلصت إلى أن القلق ارتفع 25.6% عالمياً في عامٍ واحد — أي أن البشرية أضافت إلى رصيد قلقها المتراكم خلال عقود، في اثني عشر شهراً فقط، ما كان يتطلّب سابقاً سنواتٍ عديدة.

أما حين نتحدّث عن الفئات الخاصة، فالأرقام أكثر إيلاماً. مراجعةٌ منهجيةٌ وميتا-أناليسز لمؤلفها Chi وزملائه، نُشرت عام 2023، شملت 50 دراسة و39,668 طالب دراسات عليا حول العالم، وأفادت بأن 34.8% منهم يعانون من القلق، مع اتجاهٍ تصاعديٍّ منذ عام 2005، تسارع بعد كوفيد.

وفي ميتا-أناليسز آخر للباحث Salari ورفاقه، نُشر عام 2024، فُحص القلق الاجتماعي عبر الفئات العمرية: 4.7% بين الأطفال، 8.3% بين المراهقين، و17% بين الشباب. الملاحظة المثيرة للتأمّل: الرقم يتضاعف تقريباً مع كل انتقالٍ بين الفئات، رغم أن العمر البيولوجي يفترض ثباتاً نسبياً في الاستعداد للمرض.

السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي تغيّر في حياة الإنسان حتى صار يقلق إلى هذا الحد؟

رابعاً: فرضية — لماذا يقلق إنسان اليوم أكثر؟

هنا أرغب أن أنتقل من الأرقام إلى محاولة الفهم. وأقولها بصراحة: ما سأطرحه فرضيةٌ تستحق التأمّل، وليست حقيقةً مُسلّماً بها. الأدلة العلمية على بعض عناصرها قويةٌ، وعلى بعضها الآخر ارتباطيةٌ وليست سببية. لكن مجموع الصورة، حين يُجمع، يستحقّ أن نطرحه على بساط البحث.

القلق القديم كان وجودياً وملموساً. القلق الحديث رمزيٌّ ومزمن.

هذا، في تقديري، هو الفرق الجوهري. الإنسان قديماً كان يقلق على أشياء يمكنه أن يفعل شيئاً حيالها: يحرث الأرض إن قلق على المحصول، يعالج المريض إن قلق على صحته، يبني سقفاً متيناً إن قلق على بيته. وحين يفعل، يهدأ. كان قلقه دائرة: تبدأ بمثير، وتنتهي بفعل، فترتاح الأعصاب.

أما القلق الحديث، فهو بلا دائرة. لا يمكنك أن "تفعل شيئاً" حيال شعورك بأن حياتك أقلّ بهجةً من قصصٍ تراها على سناب شات لمؤثّرٍ يسافر كل أسبوع، إلا أن تقلق أكثر. لا يمكنك أن "تفعل شيئاً" حيال شعورك بأن سيارتك أقلّ مكانةً من سيارة صديقك التي يعرضها على تيك توك، إلا أن تجمع لشراء أكبر منها، فترى أكبر منها، فتجمع من جديد. لا يمكنك أن "تفعل شيئاً" حيال شعورك بأن وقتك يضيع وأنت تقرأ على X كل يومٍ عن إنجازات أقرانك ومشاريعهم، إلا أن تعمل أكثر، فتنام أقلّ، فتقلق أكثر.

هذه هي الحلقة. أربع ركائز، في تقديري، تصنعها:

الركيزة الأولى: محرّك المقارنة الذي لا يتوقّف

عام 1954، نشر عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر نظريته الشهيرة في المقارنة الاجتماعية. فحواها أن الإنسان يقيّم ذاته من خلال مقارنتها بمن حوله، وأنه ينجذب فطرياً للمقارنة الصاعدة (upward comparison) — أي مقارنة نفسه بمن يراه أفضل منه.

في زمن فيستنغر، كانت المقارنات محدودةً بالدائرة القريبة: الجار، الزميل، ابن العم. اليوم، الدائرة بلا حدود. الشاب السعودي يُقارن نفسه بمليونير في دبي، وممثل في هوليوود، ومؤثّر في كوريا، ولاعب كرة في الرياض. وكلهم يعرضون 0.001% من حياتهم — اللحظات اللامعة فقط، المُنتقاة، المُفلترة، المُحرّرة.

وحين تتراكم هذه المقارنات، يتولّد عنها نمطٌ نفسيٌّ أعمق: السعي للكمال (Perfectionism). ميتا-أناليسز شامل قاده كوران وهيل عام 2019 ونُشر في Psychological Bulletin، شمل أكثر من 41,000 طالبٍ جامعي، خلص إلى أن مستويات السعي للكمال ارتفعت ارتفاعاً ملحوظاً بين عامي 1989 و2016، خاصةً ما يُسمّى "الكمال الاجتماعي المفروض" (Socially Prescribed Perfectionism) — أي شعور الفرد بأن المجتمع يتوقّع منه أن يكون كاملاً. في عالمٍ يعرض الكمال على كل شاشة، تحوّل هذا النمط من خصلةٍ شخصية إلى ضغطٍ ثقافيٍّ عام: الزواج يجب أن يكون مثالياً، الوظيفة مرموقة، الجسد متناسقاً، الأبناء متفوّقين، البيت فخماً، الإجازات فاخرة. ولأن الكمال غير قابل للتحقّق بطبيعته، تتحوّل المساعي إليه إلى دوّامةٍ مستمرة من القلق وجلد الذات.

دراساتٌ كثيرة، منها ميتا-أناليسز لـ Vidal ورفاقه نُشرت عام 2022 وشملت 18 دراسة و9,269 مشاركاً، وجدت ارتباطاً معتدلاً ومعنوياً إحصائياً بين استخدام وسائل التواصل الإجتماعي والقلق (r=0.348). الارتباط ليس قاطعاً، لكنه ليس صدفة. وأحدث ميتا-أناليسز نُشر في PLOS One عام 2025 لمؤلفه Yin ورفاقه ربط بين إدمان وسائل التواصل، والقلق، والـ FoMO (الخوف من تفويت ما يحدث)، والوحدة، وانخفاض تقدير الذات.

والسعودية في قلب هذه العاصفة. وفقاً لتقرير DataReportal لعام 2024، 94.3% من السكان يستخدمون وسائل التواصل. وفي 2025، احتلّت المملكة المرتبة الأولى عالمياً في استخدام وسائل التواصل بنسبة 102% من السكان (الرقم يتجاوز 100% لأن بعض المستخدمين لديهم حسابات متعددة). والمنصات الأكثر هيمنةً في المشهد السعودي تختلف عن المشهد الغربي: سناب شات (70.5%)، وتيك توك (71.8%)، وإنستغرام (72.7%)، وX / تويتر (66.3%) — وهي منصاتٌ تجمع بين المحتوى البصري السريع، والصوت اللحظي، والمقارنة الاجتماعية بأشدّ صورها. متوسط الاستخدام اليومي لوصائل التواصل في المملكة هو 3 ساعات و6 دقائق، بينما إجمالي الوقت على الإنترنت يبلغ 7 ساعات و9 دقائق يومياً. كأن السعودي يعيش حياتين متوازيتين: واحدة في الواقع، وأخرى — أطول — على الشاشة.

الركيزة الثانية: التفاوت المرئيّ بلا انقطاع

في الماضي، كان الفقير يعيش بين فقراء، والغنيّ يعيش بين أغنياء. الحدود الاجتماعية كانت أيضاً حدوداً بصرية. لم يكن الفقير يرى الغنيّ يومياً، ولم يكن مضطراً أن يقارن طعامه بطعامه، وثيابه بثيابه، وسيارته بسيارته.

اليوم، انهارت هذه الحدود البصرية. الفقير يرى الغنيّ ساعةً تكلّف نصف بيته، ورحلةً تكلّف راتب سنة، وعشاءً يكلّف ميزانية شهر. الفجوة الاقتصادية لم تتغيّر بالضرورة (أو تغيّرت قليلاً)، لكن رؤيتها صارت يومية ولحظية.

في السياق السعودي تحديداً، سناب شات هو منصة "العرض المباشر" للحياة اليومية. ساعات فاخرة، رحلات إلى أوروبا، عشاءات في مطاعم ميشلان، سيارات بمئات الآلاف — كل ذلك يصل لكل شاب في كل قرية، كل يوم، عشرات المرات. لم تعد الثروة شيئاً يُسمع عنه أو يُقرأ، بل شيئاً يُرى لحظةً بلحظة. وتيك توك أضاف بُعداً آخر: ليس فقط ثروة المشاهير، بل ثروة الأقران — ابن الجيران الذي اشترى سيارةً جديدة، ابنة العم التي سافرت إلى باريس، صديق الدراسة الذي افتتح مشروعاً ناجحاً.

عالما الاقتصاد البريطانيان ريتشارد ويلكنسون وكيت بيكيت، في كتابهما الشهير "The Spirit Level"، أثبتا بالأرقام أن مستوى عدم المساواة في المجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤشرات الصحة النفسية، حتى حين يكون المجتمع غنياً نسبياً. ليست الفقر بحدّ ذاته هو المشكلة. الفجوة المرئية هي المشكلة.

في مجتمعٍ يمرّ بتحوّلات اقتصادية واجتماعية متسارعة كالمجتمع السعودي، حيث تتغيّر التطلّعات أسرع من القدرات، وحيث يرى الشاب نمط حياةٍ "موعودٍ" قد لا يصل إليه أبداً، تتسع الفجوة بين التطلّع والتحقّق. وتلك الفجوة تستوطنها مشاعر القلق.

الركيزة الثالثة: نهاية الزمن البطيء

العقل البشري كائنٌ بطيء. يحتاج لحظات هدوءٍ ليعالج التجارب العاطفية، ولينظّم الذكريات، ولينتقل من حالةٍ إلى أخرى. النوم العميق، التأمّل، المشي وحيداً، الجلوس مع الذات بدون مهام — كلّها كانت لحظاتٍ "ميتة" في عرف الإنتاجية، لكنها كانت في الحقيقة لحظات حياة، فيها يعيد الدماغ ترتيب نفسه.

اليوم، تلك اللحظات اختفت. لا توجد دقيقة فراغ إلا ويسبقها إلى مالكها هاتفه. في الطابور، في الحمّام، في السرير قبل النوم وبعد الاستيقاظ، في وجبة العشاء، في إشارة المرور. الدماغ لم يعد يجد فرصته للراحة، ولا للتأمّل، ولا لما يسمّيه عالم النفس كال نيوبورت بـ "العمق العقلي" (mental depth).

نتيجة هذا التشظّي المستمر هي تراكمٌ عاطفيٌّ بدون تفريغ. تشعر بإحباطٍ صغير، فتُلهي نفسك بتمرير الشاشة بدلاً من معالجته. يصيبك حزنٌ خفيف، فتفتح تطبيقاً بدلاً من أن تجلس معه دقائق. تتراكم هذه المشاعر غير المعالَجة في طبقاتٍ تحت السطح، حتى تنفجر في صورة قلقٍ مزمن لا نعرف له سبباً.

الركيزة الرابعة: الفيضان المعلوماتي والأزمات المتداخلة

أخيراً، يعيش الإنسان المعاصر في حالة طوارئ نفسية دائمة. الأخبار تصل لحظياً من كل بقاع الأرض. حربٌ هنا، كارثةٌ طبيعية هناك، أزمة اقتصادية في الثالثة، وباءٌ جديد في الرابعة. الدماغ القديم لم يصمَّم ليتحمّل هذا الكمّ من المنبّهات السلبية المتزامنة. تطوّر ليُعالج خطراً واحداً في كل مرة، لا ألف خطر معروض على شاشة.

ومنصة X تحديداً، في السياق السعودي، تلعب دور "غرفة الأخبار الدائمة" — تدفق لا ينقطع من الأحداث المحلية والإقليمية والعالمية، يصل لجيب المستخدم في كل لحظة، يومه وليله. دخل في الصورة كذلك كوفيد-19 (2020-2022)، ثم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، ثم الحروب في المنطقة، ثم القلق المناخي للجيل الجديد. تتداخل هذه الأزمات في وعي الإنسان فتتركه في حالة استنفار عصبي مزمن. لا يهدأ. لا يستقر. ولا يستطيع أن يفصل نفسه عنها لأن منصاته الاجتماعية والإعلامية تذكّره بها كل ساعة.

خامساً: الفئات الأكثر تأثّراً

هذه الركائز الأربع لا تطال الجميع بالتساوي. تشير الأدلّة بقوّة إلى أن ثلاث فئات تتحمّل العبء الأكبر:

الشباب (15-29 عاماً): هم الجيل الأكثر استخداما لمواقع التواصل، والأكثر اعتماداً على المقارنة الاجتماعية الرقمية في تكوين هويتهم. في المملكة، تصل نسبة القلق بين هذه الفئة إلى 26.84%، وفقاً للمسح الوطني. عالمياً، تشير الدراسات إلى أن جيل الألفية و"الزومرز" يعانون من القلق بمعدلٍ يتجاوز الأجيال السابقة. والسؤال المحوري: هل هم أكثر قلقاً، أم أكثر اعترافاً بقلقهم؟ كلاهما، في تقديري.

الإناث: في معظم الدراسات العالمية والمحلية، تبلغ نسبة القلق بين النساء ضعف نسبتها بين الرجال تقريباً. للأمر تفسيراتٌ هرمونية وعصبية، لكن أيضاً تفسيرات اجتماعية: الإناث أكثر استخداماً للمنصات البصرية (سناب شات، تيك توك، إنستغرام)، وأكثر تعرضاً للمقارنة الجسدية، وأكثر تأثّراً بمعايير الجمال الموحّدة عالمياً.

طلاب الجامعات: في الميتا-أناليسز الذي ذكرناه سابقاً، بلغت نسبة القلق بين طلاب الدراسات العليا 34.8% عالمياً. وفي المملكة، تشير دراساتٌ متعددة على طلاب جامعات (الفيصل، الملك خالد، وغيرها) إلى نسبٍ مرتفعة، تتجاوز أحياناً 50% في الأعراض المتوسطة إلى الشديدة. اجتماع الضغط الأكاديمي، والمقارنة مع الأقران، والقلق على المستقبل، وعدم اليقين الاقتصادي، يصنع بيئةً مثالية لتفعيل القلق المرضي.

سادساً: كلمةٌ صادقة عن وسائل التواصل

قبل أن أنتقل إلى الخاتمة، أريد أن أكون أميناً مع قارئي. الربط بين وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة القلق العالمية ربطٌ مغرٍ فكرياً، ومتسقٌ مع كثيرٍ من الأدلة الارتباطية، لكنه ليس سببياً قاطعاً في الأدبيات العلمية حتى الآن.

دراساتٌ طولية حديثة، منها أعمال Coyne ورفاقه (2020) ومراجعاتٌ تحليلية أخرى، أشارت إلى أن العلاقة قد تكون عكسية أو ثنائية الاتجاه: الأشخاص الذين يعانون من أعراضٍ نفسية مسبقة قد يلجأون إلى وسائل التواصل أكثر، وليس العكس. وأن حجم التأثير، حين يُقاس بدقّة، صغير وغير متّسق عبر الدراسات.

لا أقول هذا للتقليل من المشكلة، بل لتوضيح طبيعتها. وسائل التواصل عامل ضمن منظومة، وليست العامل الوحيد. الصورة الكاملة تشمل تغيّر بنية الأسرة، تسارع وتيرة الحياة، تغيّر سوق العمل، تراجع الروابط المجتمعية التقليدية، انكماش المساحات العامة، وعشرات العوامل الأخرى. وسائل التواصل هي العَرَض الأبرز، لكنّ المرض أعمق.

والمسؤولية العلمية تقتضي أن نقول هذا بوضوح، حتى لا نقع في فخّ التبسيط الذي يحوّل ظاهرةً متعدّدة الأبعاد إلى عنوان صحفي مختزل.

سابعاً: ماذا نفعل؟

أختم بخمس توصياتٍ عمليّة، موزّعة على المستويات المختلفة. لا يوجد حلٌّ سحريّ، لكن هناك خطواتٌ تستحقّ المحاولة.

على المستوى الفردي: تقنين الاستهلاك السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي، وتخصيص فتراتٍ يومية بلا شاشات، خصوصاً قبل النوم وبعد الاستيقاظ. ممارسة "الزمن البطيء" — مشي بلا هاتف، جلوسٍ مع الذات، تأمّل، صلاة بحضورٍ كامل. هذه ليست رفاهيةً، بل ضرورةٌ نفسية.

على المستوى الأسري: تأخير سنّ امتلاك الطفل لهاتفٍ ذكيٍّ شخصي قدر الإمكان. الحوار المفتوح مع المراهقين حول طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي، وأن ما يرونه فيها — خاصةً على سناب شات وتيك توك — هو معرض الواجهة فقط من حياة الآخرين، لا الكواليس. كسر وصمة الحديث عن القلق داخل الأسرة، فهو ليس عيباً ولا ضعفاً.

على مستوى التعليم: إدراج التربية الرقمية والصحة النفسية كمنهجٍ إجباري في المراحل الدراسية. تدريب المعلمين على اكتشاف علامات القلق المبكرة. توفير خدمات إرشادٍ نفسي فعّالة في كل مدرسة وجامعة.

على مستوى الإعلام والمشاهير: مسؤوليةٌ اجتماعية في عرض واقعٍ أكثر صدقاً. كل لقطةٍ مفلترة على سناب شات، وكل فيديو "مثالي" على تيك توك، هي رسالةٌ ضمنية لآلاف المتابعين بأن هناك حياةً أفضل لا يعيشونها. التوازن مسؤوليةٌ مهنية، وليست خياراً.

على مستوى السياسات الصحية: توسيع خدمات الصحة النفسية لتسدّ فجوة العلاج الكارثية (1 من 25 فقط). دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الأولية لتقليل الوصمة. تدريب أطباء العائلة على التشخيص المبكّر. تسهيل الوصول إلى العلاج عبر الخدمات الرقمية المعتمدة. كسر الوصمة بحملاتٍ توعويةٍ مستمرة. هذه ليست توصياتٍ "نظرية"، بل ركائز أساسية في رؤية المملكة 2030 التي تضع جودة الحياة في صلب أولوياتها.

خاتمة

في كل عيادةٍ نفسية اليوم، يجلس أناسٌ يصفون شعوراً غريباً: يقلقون، ولا يعرفون على ماذا. كأن في الصدر ثقلاً بلا حجر، وفي العقل صوتاً بلا لغة. هذا الشعور المُربك هو، في تقديري، إحدى أبرز علامات زماننا.

الإنسان كائنٌ بُني للحياة في قرية، فوُضع في عاصمة. بُني ليعرف مئة شخص، فيُعرض عليه ملايين. بُني ليعالج خطراً واحداً، فيُلقى به في عاصفةٍ من المنبّهات. الفجوة بين ما تطوّر إليه دماغه بيولوجياً وبين ما يطلبه منه عصره ثقافياً هي الفجوة التي يستوطنها القلق.

لا حلّ في العودة إلى الوراء — هذا ليس ممكناً، ولا أرغبه. لكن الحلّ يبدأ بأن نسمّي ما يحدث لنا، وأن نفهمه، وأن نمنح أنفسنا حق المعالجة. القلق ليس عدوّاً نحاربه، بل رسالةٌ نقرؤها. وحين نقرؤها بصدق، ربما نكتشف أن ما يحتاجه الإنسان المعاصر ليس مزيداً من المنبّهات، بل قدراً أكبر من الصمت، ومساحةً أوسع للتأمّل، وعينين أقلّ على شاشاتٍ تذكّره طوال اليوم بأنه ليس كافياً.

وكما يُنقَل عن دوستويفسكي قوله: «من اعتاد القلقَ، ظنّ أنّ الطمأنينةَ كميناً». هذي العبارة، على غموض إسنادها الحرفي إلى أعماله، تَلتقط بدقّةٍ مذهلة جوهرَ ما يَعيشه مريضُ القلق المزمن: لا يَخاف من القلق فحسب، بل يَخاف من الطمأنينة ذاتها، يَراها وقفةً قبل عاصفة، أو هدوءاً مشكوكاً فيه. مهمّتنا — أطباءً وأهلاً ومجتمعاً — أن نُعيد للقلقين ثقتهم بالطمأنينة، وأن نُقنعهم بأنّها ليست كميناً يَتربّص بهم، بل حقٌّ مشروع لكلِّ قلبٍ اعتاد التَّعب.

ربما، حين نتذكّر أن الجدّ في الستينيات لم يكن "بسيطاً"، بل كان حاضراً — حاضراً مع نفسه، مع زوجته، مع أرضه، مع لحظته — نكتشف أن سرّ هدوئه لم يكن في غياب المشاكل، بل في حضور الذات. وهذا، في النهاية، ما يستحقّ أن نسعى إليه.