خوارزميات الشتات: كيف يغتال العالم الرقمي طمأنينة الروح؟

منذ اختراع المطبعة وحتى ظهور التصوير الفوتوغرافي, لعبت التكنلوجيا دورا محوريا في حياة البشر في العالم. الا ان التقدم التكنلوجي السريع خلال الاعوام الماضية قد اثر بشكل جذري وملحوظ على طريقة تفكير الانسان وطريقة تعامله مع المحيطين. لا نستطيع الانكار بان هناك جوانب ايجابية في العالم الرقمي تمثلت في التواصل الحقيقي ودعم الابداع وتطويره وسهولة وسرعه التعلم ....الخ. الا انه من الحقائق الصادمة والمزعجة ايضا هو و جود زوايا مظلمة في وسائل التواصل الاجتماعي يتعرض لها المستخدمون دون موافقتهم او ادراكهم على تاثيرها عليهم. يتمثل هذا الجانب في طريقة عمل الخوارزميات المرتبطة بهذه الوسائل. فهذه الخوارزميات تحمل في طياتها امكانية تاثير قوية على تفكير الانسان وعقله وسلامه النفسي, وتسليط الضوء عليها بات امرا ضروريا لكل مستخدم. لذا تم اعداد هذا المقال لتسليط الضوء على طريقة عمل هذه الخوارزميات وكيفية تاثيرها على برمجة ادمغتنا وسلامنا النفسي , للوعي بها واعطاء خيط ضوءي ارشادي بسيط لاستخدام التكنلوجيا دون ان يفقد المستخدم نفسه ويحافظ على سكينته وهدوءه وسط هذا الضجيج الرقمي.

خوارزميات الشتات: كيف يغتال العالم الرقمي طمأنينة الروح؟


ان منهج  وخطة العالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي هو "التفاعل بأي ثمن".  وهذا يعني ان الخوارزميات هنا لا تميز بين المحتوى الضار او المحتوى المفيد، فهي لا تعرف سوى معيار واحد الا وهو " التفاعل " . لذا فهي مبرمجة او تمت برمجتها  كما  يلي:

  • تعمل دائما وبصورة مستمرة باقتراح محتوى معين(ربما يكون ضار)، ويصل الى صفحات المستخدمين دون اي بحث او حتى متابعة من قبلهم. ولاتكتفى بعرضه لمرة واحدة بل تعمل على استخدام "المشاهدة السلبية " (عدم وضع اعجاب او مشاركه او حتى تعليق) ,ربما مجرد  المرور عليه من قبل المستخدم لفترة قصيرة جدا. الخوارزمية هنا تقوم بتفسير هذا الصمت وغياب المقاومة كدعوة لعرض المزيد من المحتوى المشابة بصورة مستمرة على المستخدم. هنا تعمل الخوارزميات على تحقيق هدفها وهي التفاعل باي ثمن. 

تاثيرها :تعزيز التحيزات النفسية. بناء على علم النفس، الخوارزميات هنا (بقصد أو بدون قصد)، تقوم باستغلال التحيزات النفسية باستخدام  "تأثير التعرض المتكرر" و"تأثير الحقيقة الوهميه". حيث اظهرت الابحاث والدراسات النفسية انه كلما زاد التعرض لشيء ما بصورة مستمرة ومتكررة، زاد ميل الإنسان اليه وقبوله كشيء عادي او طبيعي. هذا الأمر يدعو إلى القلق عندما يتضمن مايتم عرضه وتكراره من قبل الخوارزميات هو محتوى ضار( تشجيع على العنف, طائفي, عنصري, مؤثرين بتصرفات غير مقبولة او خادشة للحياء .....). ووجدت الابحاث ان تكرار التعرض لمحتوى معين بصوره مكرره ومستمرة  يزيد من الميل الى التصديق وهي ظاهرة تعرف ب "تاثير الحقيقة الوهمية". فعند تكرار عرض الاراء والافكار الضارة والعنيفة ربما، لايصبح الشخص غير مبالي بها او غير معارض لها فحسب ، وانما قد يبدا باستيعابها على انها الحقيقة او انها طبيعية وعادية. 

  • تعزيز التحيز التاكيدي. الإنسان عندما يؤمن بفكرة او معتقد ما , يبحث عن معلومات تؤكد مايؤمن به بالفعل. وهذا يحدث  بشكل غريزي وغير واع إلى حد كبير، حيث يقوم بتفسير المعلومات من خلال نظرته الحالية ويتجاهل عادة ما لاي يتفق مع افكاره. هنا تستغل الخوارزميات هذا التحيز وتضخمه بخلق بيئات فكرية مغلقة، وذلك من خلال عرض محتوى مكررومستمر يتفق مع وجهة نظره الحالية عن العالم وتحجب او لاتقترح ان تعرض اي فكره او محتوى  يعاكسها او لايتفق معها. هنا الخوارزميات تقوم بعملها وهو الحصول على التفاعل باي ثمن .  

تاثيرها: خلق واقع مشوه, تبقى فيه المعتقدات، مهما بلغت تطرفها او غرابتها، دون اي نقاش او تقديم فكره لمعارضتها. مما يعزز وجهة نظر المستخدم للعالم من حوله ,  سواء كانت صحيحة ام خاطئة , مع كل تصفح. فبهذه الطريقة غالبا ما تقدم صورة مشوهة عن الواقع لأنها تعرض محتوى واحد معين ولا تعرض للمحتوى المعاكس له او المعتدل. فالخوارزميات هنا تضخم جانب واحد من جوانب الحياة بشكل لا يمثل الواقع,  وهذا يؤدي الى الشعور بالانفصال عن الواقع لدى بعض المستخدمين .

  • الخوارزميات تعطي الاولوية لعرض وتكرار المحتوى الاكثر تفاعلا، حيث يجد المستخدم نفسه معرض لمحتوى لأشخاص مؤثرين ويحصدون الكثير من المشاهدين والاعجابات والتعليقات المؤيده له. والتفاعل الكبير هنا لايعني انه محتوى مثالي فاغلبنا بات يعرف ان المحتوى الغريب والمخالف للاعراف الاجتماعية هو غالبا مايحصد التفاعل الاعلى. هنا تقوم الخوارزميات  بعملها الا وهي التفاعل باي ثمن .

تاثيرها :خلل في المعايير الاجتماعية خاصة لفئة الشباب والمراهقين . تعد الاعراف الاجتماعية من بين اقوى العوامل المؤثرة في السلوك البشري . فالانسان ينظر الى الاخرين (الاقران) لتقييم المواقف والسلوكيات المقبولة. عند عرض المحتوى الاكثر تفاعلا بهذا الشكل , سيتم ارسال اشارة قوية الى الدماغ بان هذا النوع من المحتوى والاراء المعبر عنها (وان كانت مخالفة للاعراف والقيم الاجتماعية)، هي امر طبيعي وشائع. ونظرا لان الشباب والمراهقين وحتى الاطفال الذين بات استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي امر طبيعي, سيكونون اكثر عرضة لتاثر قيمهم بالمعايير التي يصادفونها عبر الانترنيت. 

كيف تغتال خوارزميات  وسائل التواصل الاجتماعي السلام النفسي

خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي (كما ذكر اعلاه) مصممه بطريقه متطورة جدا لزيادة التفاعل الى اقصى حد ممكن(من خلال عرض وتكرار المحتوى الذي يرجح ان يتفاعل معه المستخدم)  . ورغم ان هذا يبدو جيد ويحسن التجربه للمستخدم ,  الا انه يؤثر سلبا على صحته النفسيه وسلامه الداخلي. وذلك من خلال :

  • تعزيز المزاج السلبي: تعمل الخوارزميات على تضخيم المحتوى المحفز عاطفيا (الاخبار المثيره, الاراء الغريبه, نمط الحياة المثالية...) مما يؤدي الى استمرار التصفح الكئيب الذي يعزز بدوره القلق الحزن والخوف... 
  • عرض المحتوى الاعلى تفاعلا (قد يكون لمؤثرين يعرضون حياتهم بصوره مبالغة), مما يولد المقارنة الاجتماعية والحسد وانخفاض احترام الذات . اي تعزيز ثقافة المقارنة وتراجع تقدير الذات, اذ ان رؤية نجاحات الاخرين وانماط حياتهم تؤدي الى الشعور بالحسد وعدم الراحه خاصة للافراد الضعفاء والمراهقين.
  • متلازمة (فومو): وهي الخوف من تفويت الاحداث. حيث وجدت الدراسات بان الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي يخلق مايسمى بمتلازمه "فومو", خاصة بين المراهقين الشباب , والتي بدورها تولد الشعور بالقلق وعدم الراحة. 
  • الادمان والادمان على الدوبامين, والذي يؤدي الى التمرير اللانهائي , الذي تعززه الاشعارات والمكافات الخوارزمية التي تشجع على تكرار عمليات التحقق والمتابعه لما هو جديد. وهذا بدوره يحفز افراز الدوبامين الذي يؤدي الى الادمان والمماطلة في ترك الانترنيت,  مما يؤدي بالنتيجه الى تدني الحالة المزاجية وخلل في تنظيم المشاعر.  حيث وجدت الدرسات ان الافراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والعالم الرقمي, يسبب ظهور اعراض مايسمى " التبلد العاطفي". وهذا التبلد يؤدي الى  خلل في وظائف نفسيه متعددة منها خلل في وظائف تنظيم المشاعر, وتشتت الانتباه, والتوتر ,ومشاعر غير مريحة.

كيف تخرج من هذه الدائرة المفرغة؟

  • تنظيم الصفحة الرئيسية , عن طريق متابعة الصفحات التي ترفع المعنويات والصفحات الملهمه, والغاء متابعة  الصفحات والحسابات التي تسبب الارهاق والازعاج المستمر.
  • وضع الحدود , بتقليل الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي, لتجنب التصفح اللانهائي والارهاق الذهني المرافق له.
  • الانتباه لردود الافعال العاطفية و مراقبة ردود الافعال  حول المنشورات  والاتجاهات المقترحه, وفرز المنشورات التي تتوافق مع قيم المستخدم وسلامته النفسية.
  •  الانخراط في نشاطات حقيقيه, كنوادي الكتب, نوادي رياضية, نشاطات مع اصدقاء حقيقيين, رحلات و نشاطات رسم.....الخ. 

الخاتمه

ان مايجب على كل مستخدم معرفته, ان هذه الخوارزميات قد صممت لتكون ادمانية. فهي تستخدم الدوبامين (الناقل العصبي المسؤول عن السعادة في الدماغ), كسلاح لزيادة التفاعل. ففي كل مرة نعجب بمنشور او نعلق عليه, يفرز دماغنا كمية صغيرة من الدوبامين الذي بدوره يعزز السلوك ويجعلنا مدمنين , فالخوارزمية تقوم بعرض مستمر للمحتوى  لنجد انفسنا في دورة لاتنتهي قد تزعزع الاستقرار النفسي لكل مستخدم. 

التكنلوجيا ليست شرا مطلقا, لكن السلام الداخلي يتطلب الا نترك الخوارزميات تقود وعينا وتتحكم بحالتنا النفسيه . السكينه الرقمية لاتعني اغلاق الشاشات , بل تعني امتلاك الوعي لبناء قلعة داخلية حصينه لاتهزها تنبيهات العالم الرقمي. فمن خلال فهم الية عمل هذه المنصات ,يمكن التعامل معها بوعي اكبر, وبالتالي اتخاذ خطوات مهمة لحماية السلام النفسي . قد لايكون التحرر من سيطرة الخوارزميات امرا سهلا لكن الخطوة الاولى هي الوعي, فمن خلال الوعي يمكن البدء باتخاذ الخيارات الاكثر ذكاء وامان في التفاعل مع العالم الرقمي بطرق ايجابية. لذا، حافظ على سلامك وابق على اتصالك واعتني بنفسك جيدًا