خيبات الامل .. كيف نمضي بالحياة وندباتنا معنا؟
مقال تأملي عن خيبة الامل، وكيف تتحول التوقعات المكسورة والندوب الداخلية الى قوة هادئة تساعد الانسان على الاستمرار دون دور الضحية.
من حسن الظن والتفاؤل أن يحمل الإنسان في جعبته نظرة إيجابية للحياة، وأن يستثمر جزءاً من آماله للوصول إلى نسخة أكثر سعادة من نفسه ، ويكون هذا الطموح مشروعاً ومنطقياً ما دام محكوماً بالإمكانيات المتاحة والواقع المعيش، بعيداً عن أحلام اليقظة وقصص الخيال الكرتونية ، لكن الحقيقة العارية لهذه الحياة هي أنها لا تسير دائماً وفق خططنا وأمالانا؛ ففي لحظة ما، سيتصدع الواقع، ويتفتت سقف التوقعات فوق رؤوسنا، لتضعنا الأقدار وجه لوجه أمام الحتمية التي يسقط في شباكها جميع البشر: "خيبة الأمل".
إن خيبة الأمل ، قد تلبس ثوب فرصة عمل في مدينة بعيدة، هاجرت إليها ظناً أنها بوابتك نحو تطور مهني وعلمي في مسيرتك وانها سوف توفر لك حياة مرضية وسعيدة، لتكتشف في النهاية أنك سقطت في بيئة عمل تشبه تماماً تلك التي هربت منها، لكن الفارق هنا يكمن في قسوة التفاصيل؛ ففي مسقط راسك وبين عائلتك، كنت تغلق باب مكتبك وتعود إلى حضن يمتص طاقتك السلبية دون أن تضطر للحديث عنها، لتعيد شحن روحك ، أما الآن، فقد منحك القرار البيئة ذاتها، ولكن مقترنة بجدران الوحدة الموحشة وهدوء المنزل العميق الذي يلتهمك ، فتجد نفسك تعمل أكثر، وتبدو ناجحاً وبراقاً من الخارج، فقط لأنه لا يوجد لديك خيار آخر تملأ به فراغ وقتك المثقل بالوحدة.
تتجلى الخيبة أيضاً في أبسط السلوكات الإنسانية وأكثرها عفوية؛ أن تقضي ساعات في خبز كعكتك المفضلة، المشهور باتقان صنعها، مدفوعاً برغبة صادقة في مشاركتها مع شخص اعتقدته صديقاً رحب بتذوقها، لتراه في النهاية يلقي بها في حاوية النفايات—بشكل مباشر أو غير مباشر— غير مكترث و متجاهلاً وقتك ومالك في شراء المقادير التي استُنزِفت لصنعها ومشاعرك التي جُرحت بتصرفه الغير انساني بل قد يخبرك انه قد نسي اخذ طبق الكعك ، فعقله الشيطاني المخطط للشر المطلق يضعك في موقف اسواء من ان يقوم بالإلقاء بها في حاوية النفايات امامك، بل ان يجعلك بطريقة شيطانية ان تقوم انت بالالقاء بها ؛ مجسداً العقل المجرم في التعامل مع الاخرين وجرح مشاعرهم بطريقة تتجاوز الشياطين، أو قد تكون في بلدة غريبه عنك ومريضا بشدة وتتصل على من تعتقد انه صديق لك وانه سوف يساعدك في مرضك - وهذا تصرف انساني رحيم ونبيل- وتتفاجاء بعدم رده بل بان يقوم بحظرك ثاني يوماً بعد ذهابك الى المستشفى ، أو أن تعتقد أنك تحب شخصاً وتلك العلاقة سوف تُتوج بالزواج، لتصعق فجأة على خبر زواجه من شخص آخر ربما يجسد مصالح مشتركه اكثر من المصالح المرجوة منك، لدرجة تدرك معها بمرارة أنه لم يكن يرفض الفكرة ذاتها، بل كان يرفضك أنت على وجه التحديد لعدم وجود مصالح مرجوة من الارتباط بك.
إن الجرح المشترك في كل هذه التجارب يرجع إلى سببين رئيسين: توقعات بالغت في الارتفاع، وثقة عُمياء وُضِعت في غير محلها ولكن الخطأ ليس فيك اوبتوقعاتك او بثقتك، بل ان هذا جزء من تجربه الحياة لا تستطيع منعه او حمايه نفسك منه فلا تستطيع التحكم او المعرفة المسبقة بنفسيات الاشخاص الذين سوف تقابلهم في هذه الحياة، فالجميع يستطيع ارتداء اقنعة يُخفي بها وجهة الشيطاني لفتره طويلة لكي يحصلوا على مصالحهم الى ان تُعري المواقف اقنعتهم.
ومع ذلك، لو تأملنا وجوه الأشخاص الذين يخطفون قلوبنا اليوم بحسن خلقهم، وحضورهم الدافئ ونجاهم الرنان، وشخصياتهم الجذابة، لوجدنا أنهم لم يصلوا إلى هذه المرحلة إلا لأنهم واصلوا السير في الحياة وهم يحملون في أعماقهم خيبات عديدة وقصصاً حزينة لم تُروَ قط ، هذه الخيبات تركت في أرواحهم ندوباً عميقة وانكسارات صامتة ، لكن سر تميزهم يكمن في وعيهم بأن جوهر البقاء لا يعتمد على تجنب الخيبات الكاسرة—فهي جزء لا يتجزأ من التجربة البشرية—بل في الإيمان بأن الاستمرار يعني أن تمضي قدماً فوق حطام تلك الخيبة والكسرة، لا أن تدفن نفسك تحت أنقاضها، أو تستسلم للعب دور الضحية.
إن الاستمرار في الحياة لا يعني التعافي الكامل أو النسيان؛ فالخيبة ستظل حاضرة في داخلك كأثر جرح قديم، تراه العين في البداية، ومع مرور السنوات يبهت مظهره الخارجي لكنه لا يختفي تماماً كندبة الجرح ، فالقوة الحقيقية لا تعني عدم الانكسار، بل هي تلك القدرة المذهلة على تجميع شظاياك، والنهوض بندباتك للمضي بها إلى الأمام، في حالة من التصالح التام والوقور مع كل خيباتك.






