اقتصاد المنصات الرقمية وتحولات العمل والقيمة: قراءة سوسيولوجية
تبحث هذه المقالة في التحولات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بصعود اقتصاد المنصات الرقمية العالمية، مع التركيز على إعادة تنظيم العمل وإنتاج القيمة والعلاقات بين العاملين والمستخدمين والمنصات. وتعتمد المقالة على المنهج الوصفي التحليلي القائم على مراجعة الأدبيات وتحليل الوثائق والتقارير، من خلال مراجعة الأدبيات المتعلقة بالعمل الرقمي، والإدارة الخوارزمية، والعمل الحر، إلى جانب تحليل عدد من البيانات والتقارير المرتبطة بسوق العمل والمنصات الرقمية في المملكة العربية السعودية. وتوضح المقالة أن المنصات الرقمية لا تعمل بوصفها وسائط تقنية محايدة، بل تؤدي دورًا تنظيميًا في توزيع المهام، وتقييم الأداء، وتوجيه التفاعل، وتحويل البيانات والثقة إلى قيمة اقتصادية. كما تناقش أثر هذه التحولات في الاستقرار المهني والحماية الاجتماعية والحدود بين العمل والحياة الخاصة، وتخلص إلى أن اقتصاد المنصات يعيد تشكيل العلاقة بين المؤسسة والعامل والمستهلك من خلال الانتقال من الوظيفة المستقرة إلى العمل القائم على المهام، ومن الإدارة المباشرة إلى الإدارة الخوارزمية، ومن الاستهلاك إلى المشاركة في إنتاج القيمة.
المقدمة:
يشهد العالم تحولًا تقنيًا متسارعًا أعاد تشكيل أنماط الإنتاج والعمل والتفاعل الاجتماعي. ولم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات لتسهيل البيع أو التواصل، بل أصبحت فضاءات اجتماعية واقتصادية تلتقي فيها الشركات والمستهلكون والعاملون وصنّاع المحتوى والمعلنون. ومن هنا برز اقتصاد المنصات بوصفه أحد الملامح المهمة للاقتصاد الرقمي المعاصر، كما برز العمل الرقمي بوصفه نمطًا جديدًا لإنتاج القيمة.
تتمثل مشكلة المقالة في أن صعود المنصات الرقمية لا يقتصر على تغيير أدوات الإنتاج والتبادل، بل يعيد تنظيم علاقات العمل، وتوزيع السلطة، وإنتاج القيمة، وحدود التمييز بين المنتج والمستهلك. ومن هنا تبحث المقالة في الكيفية التي تسهم بها المنصات الرقمية في إعادة تشكيل العمل والقيمة والعلاقات الاجتماعية، مع التركيز على العمل الحر، والإدارة الخوارزمية، واقتصاد التفاعل، وسياق المملكة العربية السعودية.
وتسعى المقالة إلى الإجابة عن السؤال الرئيس الآتي:
كيف تعيد المنصات الرقمية تنظيم العمل وإنتاج القيمة والعلاقات الاجتماعية، وما انعكاسات ذلك على العاملين والمستخدمين في المملكة العربية السعودية؟
المنهج وحدود المقالة
اعتمدت المقالة على المنهج الوصفي باستخدام أسلوب تحليل الوثائق والمصادر العلمية، من خلال مراجعة الأدبيات والدراسات السابقة، وتحليل التقارير والبيانات الرسمية ذات الصلة بالعمل الرقمي واقتصاد المنصات.ولا تدعي المقالة تقديم نتائج ميدانية، بل تهدف إلى بناء قراءة نظرية وتحليلية للتحولات الاجتماعية المرتبطة باقتصاد المنصات.
وتقتصر المقالة على تحليل الأنماط الرئيسة للعمل الرقمي العالمي، واقتصاد التفاعل، ودور المؤثرين، مع التركيز على أمثلة من السياق السعودي، دون الدخول في تفصيلات تقنية أو اقتصادية متقدمة.
الإطار النظري
تستند المقالة إلى ثلاثة مداخل نظرية مترابطة. يتمثل المدخل الأول في تحليل رأسمالية المنصات، الذي يفسر اعتماد المنصات على البيانات والبنية التحتية الرقمية بوصفهما أساسًا لإنتاج القيمة (Srnicek, 2017). ويتمثل المدخل الثاني في مفهوم الإدارة الخوارزمية، الذي يوضح انتقال بعض وظائف التنظيم والرقابة من المدير المباشر إلى أنظمة التقييم والمطابقة والتوزيع الرقمية (Kellogg, Valentine, & Christin, 2020). أما المدخل الثالث فيتعلق اقتصاد التفاعل في المنصات ، حيث يتحول وقت المستخدم وتفاعله وثقته إلى موارد قابلة للقياس والتوظيف في السوق الإعلاني.
ويساعد مفهوم التضامن العضوي عند دوركايم على فهم أن المنصات الرقمية لا تلغي تقسيم العمل، بل تعيد تنظيمه عبر تخصصات ومهام مترابطة تُنسَّق بواسطة البنية التقنية والخوارزمية. كما يساعد مفهوم البركاريا عند ستاندينغ على فهم فئات العاملين الذين يعانون من عدم الاستقرار المهني وضعف الأمان الوظيفي في ظل أنماط العمل المرنة (Standing, 2011).
أولًا: العمل الرقمي واقتصاد المنصات
ما المقصود بالعمل الرقمي واقتصاد المنصات؟
يمكن تعريف العمل الرقمي بأنه العمل الذي تُستخدم فيه التقنيات الرقمية وسيلةً لإنتاج القيمة، سواء كان مدفوع الأجر، مثل العمل الحر عبر المنصات، أو غير مدفوع بصورة مباشرة، مثل إنتاج المحتوى والتفاعلات الرقمية التي يمكن أن تتحول إلى بيانات ذات قيمة إعلانية.
أما اقتصاد المنصات فيشير إلى الأنشطة الاقتصادية التي تجري عبر منصات رقمية تربط بين أطراف متعددة، مثل الموردين والمستهلكين والعاملين والمعلنين. وتعمل هذه المنصات بوصفها وسطاء اجتماعيين واقتصاديين، وتستخدم البيانات والخوارزميات في تنظيم التفاعل وتوزيع المهام وتوجيه المحتوى وتكوين القيمة. ومن أمثلتها منصات التجارة الإلكترونية والعمل الحر والنقل وتوصيل الطعام، مثل Amazon وAirbnb وUber، إضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي.
وقد أسهم انتشار الإنترنت والهواتف الذكية في تسريع نمو اقتصاد المنصات، فانتقلت أنماط من الشراء والعمل والتسويق من المجال التقليدي إلى المجال الرقمي. كما أصبحت الخوارزميات والحوسبة السحابية جزءًا أساسيًا من البنية التي تعتمد عليها هذه المنصات في إدارة البيانات والخدمات والتفاعل مع المستخدمين.
التحول المنصة التقليدية إلى المنصة الرقمية:
رغم أن اقتصاد المنصات بصورته الرقمية حديث نسبيًا، فإن فكرة المنصة بوصفها فضاءً يجمع البائع والمشتري ليست جديدة تمامًا. فقد أدت مراكز التسوق والمتاجر الكبرى والمعارض التجارية تاريخيًا وظيفة الوساطة بين المنتج والمستهلك. الجديد في المنصة الرقمية هو أن هذه الوساطة أصبحت قائمة على البيانات والخوارزميات، وأصبحت قادرة على تنسيق عدد كبير من المعاملات والتفاعلات في وقت واحد.
بدأت ملامح اقتصاد المنصات الرقمي في الظهور بوضوح مع التجارة الإلكترونية في تسعينيات القرن العشرين، ثم تسارع نمو نماذج العمل عند الطلب والمنصات الرقمية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. وأسهم انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والخدمات السحابية في توسيع هذا الاقتصاد وربطه بالحياة اليومية. لذلك يُفهم عام 2008 بوصفه مرحلة تسارع في اقتصاد المنصات، لا نقطة بداية وحيدة له.
أنماط العمل الرقمي
يمكن النظر إلى العمل الرقمي من خلال ثلاثة أشكال رئيسة:
- العمل عبر الإنترنت: مثل البرمجة والتصميم والترجمة وتحليل البيانات والعمل عبر منصات العمل الحر مثل Upwork وFiverr.
- العمل المعتمد على الموقع: مثل النقل وتوصيل الطعام والخدمات التي تتطلب حضور العامل ميدانيًا، مع إدارة العمل وتنسيقه عبر تطبيق رقمي.
- صناعة المحتوى والتأثير: وهي الأعمال القائمة على إنتاج المحتوى وجذب الانتباه والاستفادة من المشاهدات والتفاعل والإعلانات عبر منصات مثل:Snapchat وX وYouTube وInstagram وغيرها.
الاقتصاد الرقمي والفجوة بين المجتمعات
يورد تقرير الاقتصاد الرقمي العالمي لعام 2025 الصادر عن International Data Center Authority (IDCA) أن الاقتصاد الرقمي يمثل نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بالقيمة الاسمية، بما يقارب 16 تريليون دولار من أصل نحو 108 تريليونات دولار في عام 2024 (IDCA, 2025). كما يلفت التقرير إلى تفاوتات كبيرة بين الدول في الدخل والبنية التحتية الرقمية.
ويشير التقرير إلى أن دخل الفرد يختلف بنحو 50 ضعفًا بين أدنى الدول وأعلاها دخلًا، وأن أدنى 20 دولة من حيث الدخل لا تصل إلا إلى نحو 8% من متوسط دخل الفرد العالمي. وتنعكس هذه الفجوة اقتصاديًا على القدرة على الاستثمار في البنية الرقمية وتطوير الخدمات الرقمية (IDCA, 2025).
وتظهر الفجوة كذلك في البنية التحتية لمراكز البيانات والخوادم؛ إذ يورد التقرير متوسطًا عالميًا يقارب 9,200 خادم لكل مليون نسمة، مع تفاوت حاد بين الدول، حيث تتجاوز بعض الدول 100,000 خادم لكل مليون نسمة، بينما يقل العدد في أكثر من 40 دولة عن 100، وفي بعضها عن 10 خوادم لكل مليون نسمة. ويقترح التقرير نحو 3,000 خادم لكل مليون نسمة بوصفه مستوىً مرجعيًا للبنية التحتية الرقمية. وتوضح هذه الأرقام أن الفجوة الرقمية ليست مجرد فجوة في الوصول إلى الإنترنت، بل تشمل القدرة على امتلاك البنية التحتية التي تسمح بإنتاج الخدمات الرقمية وتشغيلها والتوسع فيها (IDCA, 2025).
المنظور الاجتماعي للعمل الرقمي واقتصاد المنصات:
من منظور اجتماعي، لا يمثل العمل الرقمي مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة، بل يمثل تغيرًا في بنية العمل وعلاقات القوة داخله. فبدل أن تكون العلاقة بين العامل ومدير بشري هي الإطار الرئيس لتنظيم العمل، أصبحت الخوارزمية في بعض المنصات تؤدي وظائف مرتبطة بتوزيع المهام والتقييم والمطابقة وتحديد فرص الظهور أو الحصول على العمل. وتصف الأدبيات هذا النمط بالإدارة الخوارزمية، حيث تنتقل بعض وظائف التنظيم والرقابة من الإدارة المباشرة إلى أنظمة رقمية تعتمد على البيانات والتقييمات (Kellogg et al., 2020).
ويمكن توضيح ذلك بمقارنة نموذجين: موظف يعمل في مؤسسة وفق ساعات عمل محددة وبراتب شهري ومزايا وظيفية، في مقابل عامل عبر منصة نقل يقبل عددًا متغيرًا من الرحلات يوميًا. في الحالة الثانية لا تُدار كل تفاصيل العمل من خلال مدير بشري مباشر؛ بل تتدخل المنصة في تحديد الطلبات والأسعار والتقييمات وتوزيع الفرص. وهنا يظهر ما يمكن وصفه بتفتيت الوظيفة إلى مهام متتابعة تديرها البنية الرقمية.
ويرتبط بذلك مفهوم المستهلك-المنتج (Prosumer)، إذ قد يكون المستخدم في الوقت نفسه مستهلكًا ومنتجًا للقيمة. فالمستخدم الذي يصنع محتوى عن مطعم أو منتج ثم يتفاعل مع محتوى مستخدم آخر ويشتري بناءً عليه لا يستهلك فقط، بل يشارك أيضًا في إنتاج المحتوى والبيانات التي تستفيد منها المنصة والمعلنون.
ويثير هذا التحول أسئلة اجتماعية حول الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني؛ فبعض العاملين المستقلين أو العاملين عبر المنصات قد لا يحصلون على المزايا المرتبطة بالوظيفة التقليدية بالدرجة نفسها، بحسب طبيعة العلاقة التعاقدية والتنظيمية. ومن ثم تصبح مسألة الحماية الاجتماعية جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل العمل الرقمي.
ثانيًا: العمل الحر الرقمي وتحول مفهوم العمل
يعتمد العمل الحر عبر المنصات الرقمية على استخدام منصات قائمة على المعرفة، مثل Upwork وFiverr، للوصول إلى فرص العمل وتنفيذها. ويتميز هذا النمط بدرجة من المرونة، وبالعقود أو المشاريع قصيرة ومتوسطة الأجل، وبالوساطة الرقمية بدلًا من التوظيف التقليدي.
وتشير مراجعة Kim وCheon وSawyer (2023) للأدبيات حول العمل الحر عبر المنصات الرقمية إلى أن هذا المجال يرتبط بقضايا مثل عدم المساواة، ورفاه العاملين، والإدارة والسيطرة عبر المنصات، بعد مراجعة 86 دراسة منشورة بين 2017 و2022. وهذا ينسجم مع الفكرة الأساسية في المقال: أن العمل الحر لا يمثل مجرد مرونة في اختيار مكان وزمن العمل، بل يعيد تشكيل علاقة العامل بالسوق والمنصة والمسار المهني (Kim, Cheon, & Sawyer, 2023).
الجذور التاريخية لتحولات العمل:
قبل الثورة الصناعية، اتخذ العمل في المجتمعات وعلى سبيل المثال المجتمعات الأوروبية أشكال من الحرف المستقلة والعمل المنزلي، وكان الحرفي أو التاجر يعمل لحسابه الخاص ضمن قواعد مهنية واجتماعية محددة. ومع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، أصبح المصنع مركزًا رئيسًا للعمل، وظهرت ساعات عمل أكثر انتظامًا وعقود وأجور مرتبطة بالمؤسسة، بما أسهم في تشكيل مفهوم الوظيفة الحديثة.
ومن منظور عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، ارتبط تطور المجتمعات الحديثة بتغير أنماط التضامن الاجتماعي، من التضامن الآلي، الذي يقوم بدرجة أكبر على التشابه ووحدة القيم والمعتقدات، إلى التضامن العضوي، الذي يقوم على التخصص وتقسيم العمل والاعتماد المتبادل بين الأفراد. وتساعد هذه الرؤية على فهم أن التحولات في تنظيم العمل لا تقتصر على تغيير أساليب الإنتاج، بل تمتد إلى إعادة تشكيل أنماط العلاقات والروابط الاجتماعية.
ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين، ارتبطت التحولات النيوليبرالية بتوسع أنماط أكثر مرونة في سوق العمل، ومنها العقود المؤقتة والعمل الجزئي. وفي هذا السياق طرح غاي ستاندينغ مفهوم «البركاريا» لوصف فئات من العمال تعاني من عدم الاستقرار المهني وضعف الأمان الوظيفي (Standing, 2011). ومع صعود المنصات الرقمية، عاد العمل القائم على المهمة والقطعة في صورة جديدة: بوساطة تقنية، وإدارة خوارزمية، وسوق رقمي يمكن أن يتجاوز الحدود الجغرافية.
أنماط العمل الحر الرقمي:
- العمل السحابي: عمل يمكن إنجازه عن بُعد دون ارتباط بموقع جغرافي ثابت، مثل البرمجة والتصميم والترجمة وتحليل البيانات.
- العمل الميداني عند الطلب: عمل يتطلب حضورًا ماديًا، لكنه يُنسق ويُدار عبر تطبيقات رقمية، مثل النقل والتوصيل والصيانة المنزلية.
- الرحالة الرقميون: نمط يجمع بين العمل عن بُعد والتنقل والسفر، مع الاعتماد على الإنترنت لإنجاز المهام من مواقع مختلفة.
الإدارة الخوارزمية وعلاقات القوة
تشير أدبيات الإدارة الخوارزمية إلى أن الخوارزميات أصبحت مجالًا جديدًا للتنظيم والرقابة في بيئات العمل؛ فهي لا تلغي السلطة التنظيمية، بل تعيد تشكيل الطريقة التي تُمارس بها. وقد تمنح المنصات العامل شعورًا بالاستقلالية والمرونة، لكن هذه الاستقلالية قد تكون مقيدة بأنظمة التقييم والمطابقة وتوزيع الفرص (Kellogg et al., 2020).
كما يمكن أن تتآكل الحدود بين العمل والحياة الخاصة عندما يبقى العامل متصلًا بالمنصة بحثًا عن المهام أو الفرص. وتبين مراجعات الأدبيات أن المرونة والاستقلالية قد تترافقان مع انخفاض الأجر أو عدم انتظام الساعات والعزلة الاجتماعية والإرهاق لدى بعض العاملين، وهو ما يجعل العلاقة بين المرونة والرفاه المهني علاقة غير بسيطة (Wood et al., 2019).
المملكة العربية السعودية ومواكبة التحول نحو اقتصاد المنصات
وفي السياق السعودي، أولت المملكة العربية السعودية التحول الرقمي وتنمية الاقتصاد الرقمي اهتمامًا ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت «تنمية الاقتصاد الرقمي» (3.3.2) أحد الأهداف التفصيلية ضمن محور «اقتصاد مزدهر»، في إطار هدف «إطلاق قدرات القطاعات غير النفطية الواعدة». ويعكس إدراج هذا الهدف ضمن الإطار الاستراتيجي للرؤية توجهًا نحو تعزيز دور التقنيات الرقمية في تطوير النشاط الاقتصادي وفتح مجالات جديدة لإنتاج القيمة.
ويتقاطع هذا التوجه بصورة مباشرة مع التحولات التي يشهدها اقتصاد المنصات، حيث أصبحت التقنيات الرقمية وسيطًا لتنظيم بعض أنشطة العمل وتقديم الخدمات والوصول إلى المستهلكين وإنتاج القيمة. ومن ثم، لا تقتصر مواكبة المملكة لهذا التحول على تبني التقنيات الرقمية، بل تمتد إلى تهيئة البيئة الاقتصادية والاجتماعية لأنماط جديدة من النشاط والعمل، وهو ما يجعل التجربة السعودية سياقًا مهمًا لدراسة التحولات الاجتماعية المصاحبة لاقتصاد المنصات.
العمل الحر في المملكة العربية السعودية: أرقام ودلالات
تُظهر بيانات أنماط العمل الحديثة في المملكة حتى نهاية النصف الأول من عام 2023 إصدار 2,358,000 وثيقة عمل حر، و377,800 عقد عمل مرن، و115,000 موظف عن بُعد. كما شملت الإحصاءات أكثر من 1,674,600 مستفيد من وثائق العمل الحر، و7,800 شركة موظفة للعمل عن بُعد، و7,600 شركة للعمل المرن، و281 مهنة معتمدة لوثائق العمل الحر، و47 مزود خدمة معتمدًا (وكالة الأنباء السعودية، 2023).
وتشير هذه الأرقام إلى أن العمل الحر والعمل المرن والعمل عن بُعد لم تعد ظواهر هامشية، بل أصبحت جزءًا من التحولات التي يشهدها سوق العمل السعودي، بما يستدعي تطوير الأطر التنظيمية والحماية الاجتماعية بما يتناسب مع تنوع أنماط العمل.
التجارة الإلكترونية بوصفها امتدادًا لاقتصاد المنصات
مع نمو الاقتصاد الرقمي ظهرت المتاجر الإلكترونية بوصفها نمطًا تجاريًا يعرض المنتجات عبر منصة رقمية بهدف البيع للمستهلك. وفي المملكة، مثلت منصة «معروف» إحدى مراحل تنظيم وتوثيق التجارة الإلكترونية؛ ففي عام 2022 أُعلن عن أكثر من 126 ألف متجر إلكتروني مسجل فيها.
وفي عام 2023 انتقل توثيق المتاجر الإلكترونية إلى منصة الأعمال التابعة للمركز السعودي للأعمال، وهو ما يعكس انتقال التنظيم من مجرد عرض المتجر في منصة تعريفية إلى منظومة أكثر تكاملًا للحوكمة وممارسة الأعمال الرقمية (وزارة التجارة، 2023).
ثالثًا: اقتصاد التفاعل في المنصات— عندما تتحول المشاهدة والإعجاب إلى قيمة
لا تبيع المنصات الرقمية المنتجات والخدمات فقط؛ بل تستفيد أيضًا من الوقت والتفاعل الذي ينتجه المستخدمون. ومن هنا يمكن النظر إلى «التفاعل» بوصفه موردًا اقتصاديًا محدودًا تتنافس المنصات على استقطابه والمحافظة عليه. فالمشاهدة والإعجاب والتعليق والمشاركة ليست مجرد أفعال اجتماعية؛ إذ يمكن أن تنتج بيانات ومؤشرات سلوكية تساعد المنصة والمعلن على استهداف الجمهور وبناء القيمة الإعلانية.
وتوضح الأدبيات المتعلقة بتفاعل المستخدم في وسائل التواصل الاجتماعي أن التفاعل لا يقتصر على عدد مرات الاستخدام، بل يرتبط أيضًا بدرجة انخراط المستخدم وشعوره بأن المنصة والمحتوى يلبيان احتياجاته واهتماماته. وكلما زاد التفاعل، زادت المساهمات في إنتاج المحتوى والتصفح واكتشاف المحتوى الجديد، وهو ما يزيد من قيمة المنصة للمستخدم وللمنظمة.
ومن هنا يمكن فهم المنصة بوصفها منظومة اجتماعية-تقنية: فالتفاعل يبدأ بوصفه تجربة اجتماعية وشخصية، ثم يتحول إلى سلوك رقمي، ثم يصبح موردًا اقتصاديًا تستفيد منه المنصة في بناء الرؤى التسويقية وزيادة جاذبيتها للمعلنين. وبذلك يرتبط اقتصاد البيانات واقتصاد التفاعل؛ فالوقت الذي يمنحه المستخدم، والتفاعل الذي ينتجه، والبيانات الناتجة عنه، تتداخل في عملية إنتاج القيمة الرقمية.
المؤثرون: من الثقة الاجتماعية إلى القيمة الاقتصادية
يمثل المؤثرون أحد أبرز الأمثلة على تحويل رأس المال الاجتماعي إلى قيمة اقتصادية. فالمؤثر لا يبيع المنتج بالضرورة بصورة مباشرة، بل يوظف الثقة التي بناها مع جمهوره للتأثيروالاختيار والشراء. وهكذا تنتقل الثقة من كونها علاقة اجتماعية إلى مورد يمكن توظيفه في السوق الإعلاني.
وفي المجتمع السعودي ازداد حضور المؤثرين وصنّاع المحتوى في النشاط الاقتصادي، ورافق ذلك توجه تنظيمي نحو حوكمة الإعلانات المقدمة عبر المشاهير وصنّاع المحتوى. وتعد رخصة «موثوق» مثالًا على هذا التحول؛ إذ أعلن الرئيس التنفيذي للهيئة العامة لتنظيم الإعلام في يوليو 2025 أن عدد رخص «موثوق» بلغ قرابة 12 ألف رخصة، في سياق جهود تنظيم الإعلانات وحماية السوق من الإعلانات المضللة أو الاحتيالية (الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، 2025).
ومن منظور اجتماعي، تعكس هذه العملية انتقال المؤثر من موقع الهواية أو الشهرة الشخصية إلى موقع أقرب إلى الفاعل الاقتصادي المنظم. فكلما ارتفعت قيمة الجمهور والثقة والتفاعل، أصبح المؤثر جزءًا من سلسلة إنتاج القيمة في الاقتصاد الرقمي.
اقتصاد المنصات وإعادة تشكيل المجتمع:
يكشف اقتصاد المنصات الرقمية عن تحول يتجاوز التقنية إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالعمل والاستهلاك والقيمة. فالعامل لم يعد بالضرورة مرتبطًا بمؤسسة ومكتب وساعات ثابتة؛ بل قد يعمل عبر مهام ومشروعات ومنصات تتولى الخوارزميات جزءًا من تنظيمها. والمستهلك لم يعد مستهلكًا سلبيًا؛ فقد يصبح في الوقت نفسه منتجًا للمحتوى والبيانات. أما المؤثر، فقد تحولت الثقة التي يبنيها مع جمهوره إلى مورد اقتصادي يمكن أن يدخل في السوق الإعلاني.
وفي المقابل، تطرح هذه التحولات أسئلة اجتماعية مهمة حول الاستقرار المهني، والحماية الاجتماعية، والخصوصية، وعلاقات القوة، وحدود العمل والحياة الخاصة. ولذلك فإن فهم الاقتصاد الرقمي لا يكتمل بالنظر إلى حجم المنصات وأرباحها فقط، بل يتطلب فهم أثرها في بنية المجتمع وفي الطريقة التي نعمل ونستهلك ونتفاعل بها.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن اقتصاد المنصات لا يمثل مجرد مرحلة تقنية جديدة، بل تحولًا في الطريقة التي تُنظم بها العلاقات الاقتصادية والاجتماعية نفسها: من المؤسسة إلى المنصة، ومن المدير إلى الخوارزمية، ومن المستهلك إلى المستهلك-المنتج، ومن الشهرة الاجتماعية إلى القيمة الاقتصادية.
وتتطلب هذه التحولات مزيدًا من البحث الإمبريقي لفهم تجارب العاملين والمستخدمين في السياق العربي، ولا سيما في المملكة العربية السعودية






