عبودية الجسد: حين يتحوّل الحفاظ على الوزن إلى مشروع دائم للحرمان

في زمن تتكاثر فيه وعود النحافة وتتعاظم معايير الجمال، تتبدّل علاقة الإنسان بجسده من عنايةٍ داخلية إلى مشروع تجاري. هذا المقال يتأمل في صمت بعض الأطباء عن عودة الوزن، وإدماننا لهندسة الجسد وفق مقاييس الغير، لا وفق صوتنا الداخلي.

عبودية الجسد: حين يتحوّل الحفاظ على الوزن إلى مشروع دائم للحرمان
من يملك جسدي؟ تأملات في الحمية، الجراحة، وهوس الرضا الخارجي


في عمق التجربة الإنسانية، يكمن سؤال بسيط في مظهره، مرهق في جوهره: هل من المعقول أن نعيش أعمارنا كلها في حالة حرمان غذائي دائم، فقط لنحافظ على ما يُسمى "الوزن المثالي"؟ وهل من العدالة أن يُربط هذا "الوزن" بمفهوم الصحة، الجمال، والجدارة الاجتماعية؟

في مجتمعاتنا الحديثة، لا يُنظر إلى الغذاء بوصفه نعمة، ولا حتى كوقود للحياة، بل يُعاد تعريفه كخطر يجب الحذر منه. وجبة دسمة تُقابل بالشعور بالذنب، وشعور الشبع يُعامل كخطأ في الحساب، والمعدة الممتلئة تصبح تهمة تنتظر التوبة. ووسط هذا الهوس الجمعي بالنحافة، يتحول الجسد إلى مشروع دائم للحرمان، لا يخضع لحكمة التوازن، بل لعقيدة "المراقبة"، والاشتباه، والامتناع.

المعادلة المختلة: وزنٌ مثالي، نفسٌ متعبة

السؤال الجوهري هنا ليس عن الوزن، بل عن كلفة الحفاظ عليه. ليس عن الرقم في الميزان، بل عن الثمن الذي يدفعه الإنسان من راحته، لذته، وعلاقته بجسده. حين يتحوّل الجسد إلى عدو، والطعام إلى منطقة ألغام، نكون قد خسرنا العلاقة الأعمق: علاقة الرضى والطمأنينة والتصالح مع الذات.

نعم، نحن بحاجة إلى وعي صحي، ولكننا لا نحتاج إلى أن نُعاقب أجسادنا يوميًا باسم الصحة. الفارق كبير بين الانضباط والعبودية، بين الرعاية والوسواس، بين أن تأكل باعتدال، وأن تعيش على فتات.

الصمت الأخلاقي في عيادات السمنة

ثمّة صمت ثقيل يخيّم على مشهد "إنقاص الوزن" داخل أروقة العيادات. أطباء يقدّمون الوعود بخسارة الكيلوغرامات، يعرضون الحلول السريعة، ولا يخبرون مرضاهم بالحقيقة الكاملة: أن أغلب من ينقص وزنه، يعود ليستعيده لاحقًا. وأن بعض الدراسات تؤكد أن ما يقارب 40% من الذين يفقدون وزنًا كبيرًا يعودون لاكتسابه خلال بضع سنوات.

ومع ذلك، يُصر بعض الأطباء على وصف الإبر، وتقديم النصائح المعلّبة، دون تحذير المريض من أن الجسم – ككل ما هو حي – لا يُغيّر برمجته بهذه السهولة، وأن مقاومة الوزن المفقود قد تكون أعنف من فقدانه ذاته.

من المسؤول هنا؟ المريض الذي يصدق الحلم؟ أم الطبيب الذي يسوّقه تحت غطاء العلم؟

حين يُخضع الجسد لمشرط الشهرة: من يُشكّل ملامحنا؟

في مرحلة من مراحل التحوُّل الثقافي، لم يعد الإنسان ينظر إلى جسده ككيانٍ عضويّ متفرِّد، بل كمنتج تجميلي قابل للتعديل والتسويق. صار الجسد مشروعًا مفتوحًا لإعادة التشكيل، لا استجابة لحاجة طبية أو تحسين وظيفة حيوية، بل انسياقًا أعمى خلف مقاييس جمالية لم تُصنع في معاهد الطب، بل في عيادات "المشاهير"، وعلى أيدي أطباء تحوّلوا إلى مؤثرين، ثم إلى أرباب "المعايير الجديدة".

هذا الهوس لا يُحرِّكه الطب، بل ثقافة التسليع: حين يُصبح الجسد مادة تُستهلك وتُحاكَم وتُقارَن، وتُقاس جدارة الإنسان فيها بمقدار "الشدّ" و"النحت" و"التنحيف". وهنا، لا يعود الجسد مساحةً للعيش، بل مسرحًا للعرض. لا يعود امتدادًا للذات، بل تحديًا يوميًا لإرضاء مجتمع لا يعرف الرضى أصلًا، ولا يكافئ إلا الصورة، لا الحقيقة.

جمال لا يُرى إلا بعد الجراحة: عبودية المظهر وتحوّلات المعايير

إن أسوأ ما فعلته موجات التجميل المتسارعة أنها دفعتنا لنشكّ في الطبيعة، أن نعامل التجاعيد كأعداء، والبساطة كعيب، والاختلاف كخروج عن المألوف. تحوّل الجسد من مسكنٍ للذات إلى مشروعٍ لاكتساب القبول، وغالبًا القبول المزيف. وما لم يُقل صراحة، أن هذه "المعايير الجمالية" لم تُخلق لراحة الفرد، بل لإعادة إنتاج نظام اقتصادي يقوم على اللاكفاية: أن لا تكتفي أبدًا.

المشكلة ليست في التجميل ذاته، بل في الدافع الذي يُحرّكه. حين يكون منبع القرار حاجة نفسية عميقة للقبول، لا رغبة ناضجة في التحسين، فإن المشرط لا يُجمّل، بل يُكرِّس شعورًا خفيًا بالدونية. والأسوأ من ذلك، أن من لم يخضع لهذا التعديل يبدأ في التشكيك بجماله الفطري، وكأن العاديّ أصبح عيبًا، والطبيعيّ صار مشكلة.

خاتمة: من نُرضي في معركتنا مع الجسد؟

قد تكون الرغبة في جسم صحي نابعة من حب الذات، ولكن حين تُصبح هذه الرغبة مصدر قلق دائم، وخوفٍ مزمن، ورفضٍ مستمر للجسد كما هو، فإننا لم نعد نبحث عن صحة، بل عن اعتراف.

إن المطلوب اليوم ليس التخلّي عن الوعي الجسدي، بل إنقاذه من الهوس. المطلوب ليس محاربة الطعام، بل محاربة القوالب. المطلوب ليس إنقاص الوزن فقط، بل إعادة تعريف معنى الجمال، ليكون أكثر رحمة، وأكثر عمقًا، وأكثر إنسانية.